إنا إذا أردنا أن نصل إلى حقائق العالم، إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه من حقائق العالم، وجب أن نستخدم كل ما نستطيع من ملكاتنا، وليست ملكات الإنسان مقصورة على القوة العقلية، فلديه الشعور ولديه الإرادة، فلم يستخدم القوة العقلية وحدها وهي آلة العلم ولا يستخدم الشعور أيضا وهو وسيلة أخرى من وسائل المعرفة؟ وقد أنصف المتصوفة فسموا نتيجة استخدام المنطق «علما» وسموا نتيجة استخدام الشعور والذوق والكشف «معرفة»، وسموا الأول عالما والثاني عارفا، وقد دلت التجارب على أن الإنسان في هذه الحياة - مهما قوي عقله، ومهما آمن بعلمه - لا يسيره عقله أو علمه فقط، وإنما يسيره كذلك شعوره، وهو يحكم على كل مظاهر الحياة وعلى الأعمال، ويرسم خطته في الحياة ويحكم على غيره في تصرفاتهم بمقتضى عقله وشعوره لا بعقله وحده، وهو في ذلك ليس مخطئا، وإنما هو مسير في ذلك بحكم طبيعته وفطرته، ومعنى هذا أن الإنسان يدرك حقائق العالم بعقله وشعوره معا، ويستعمل لهذا منهجه وذلك منهجه ولا محيد له عن ذلك، وأدرك هذا المعنى قوم من صفوة العلماء فسمحوا لعقلهم أن يجول في دائرة العلم إلى أقصى حد ممكن، وسمحوا لمشاعرهم ودينهم كذلك أن تجول في دائرتهما، واستفادوا من قوة عقلهم وعلمهم، فكبحوا من مشاعرهم الجامحة، ولم يسمحوا لدينهم أن يقيد مجال علمهم، كما استفادوا من قوة مشاعرهم فوسعوا ضيق نظر العلم، وكسروا من حدة غروره.
ومهما قال علماء النفس في وحدة القوة النفسية في الشخص، فهناك من شئون الحياة ما يتطلب إعمال الإرادة، ومنها ما يتطلب الشعور، ومنها ما يتطلب العقل، ثم هذه الملكات موزعة على الناس توزيعا عجيبا، فمنهم قوي الإرادة ضعيف العقل، ومنهم قوي العقل ضعيف الشعور، ومنهم ضعيف العقل قوي الشعور؛ وقديما رمزوا للعقل بالرأس وللشعور بالقلب، فمن قوى رأسه كان أقرب في الحياة للمنهج العلمي، ومن قوى قلبه كان أقرب للمنهج الشعوري والديني، والفني؛ وإذ كان في العالم ما يواجه كل ملكة من هذه الملكات الثلاث فليس من العقل أن نتطلب حقائق العالم بقوة العقل وحده ونشل سائر الملكات، وإنما العقل أن نستعمل كل ملكاتنا في إدراك حقائقه، كل في اختصاصه، كما تدرك مظاهره بحواسنا، كل حاسة في اختصاصها.
فرجال العلم لهم أن يستكشفوا ما شاءوا من عجلة العالم، ويلاحظوا ويجربوا ويبرهنوا ما شاءوا؛ ولهم تمام الحرية فيما يبحثون، والفنانون لهم أن يستكشفوا من جمال العالم، ويستلهموه ما شاءوا، وينقلوا من صفاته وجماله وإلهامه ما لا يقل شأنا عن مستكشفات العلماء، والأنبياء والمرسلون والمتصوفة، يبلغون من إدراك محرك العالم وقيم معنوياته ما يفوق مستكشفات العلم وإلهامات الفن. •••
ولست أرى سببا جوهريا يحمل على هذا العراك العنيف بين العلم والدين إلا تعصب رجال العلم في دعواهم أن علمهم يختص بكل شيء، يقدر على حل كل عقدة، وأن ليس وراء العلم مطلب، ولا غير دائرته دائرة، وإلا تعصب رجال الدين في عدم إيمان بعضهم بالعلم في دائرته، وعدم تفرقة بعضهم بين ما هو أساس في الدين وما هو على هامشه، وجمود بعضهم على أقوال الأقدمين كأنها وحي منزل.
فإن زال كل هذا من الطريق لم يكن صراع، وإنما كان تعاون، فالعلم يكمل الدين والدين يكمل العلم، وكلاهما يكشف عن قسم من حقائق هذا العالم، وكلاهما غذاء صالح لملكات الإنسان المختلفة المتنوعة، حتى تتعادل ملكاته كلها وتتوازن وتسير إلى غايتها؛ فالعلم الحق والدين الحق كلاهما غايته حب الحقيقة، وإن اختلف منهجاهما ووسائلهما، وكلاهما يصل بالإنسان إلى كماله، وإلى فهم ما يحيط به، هذا في ماديته، وهذا في روحانيته.
الفصل الرابع والعشرون
| الإيمان بالله
يحكى أن رجلا ما زال يمعن في الشك حتى وصل به إلى الإلحاد، فحدث يوما صديقه بما ساوره من شكوك وما كان من نتيجتها من إلحاد.