تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وزاد الأمر إشكالا والناس انحيازا إلى العلم موقف رجال الكنيسة، فقد تمسكوا بنصوص الكتب والشروح والآثار في باطنها وظاهرها، وجملتها وتفصيلها، وأنكروا على العلماء نظرياتهم، واضطهدوهم أيام كانت السلطة في أيديهم، وحكم الناس العقل في موقف رجال العلم ورجال الكنيسة، فرجحوا جانب العلم، فطغت موجة العلم على موجة الدين، ووقف الكثيرون من الدين موقف الإنكار أو عدم الاكتراث أو أداء بعض شعائره كما تؤدى المواضعات الاجتماعية من غير روح ومن غير اعتقاد، فكان هذا طابع القرن التاسع عشر في أوروبا، ومنها سارت الموجة إلى الشرق وأنحاء العالم، ظنا منهم أن أوروبا تقدمت في الحضارة بتقديس العلم مكان تقديس الدين، فجاروهم في ذلك. •••

ولكن: كان لرجال العلم خطؤهم كما كان لرجال الدين خطؤهم.

فهم قد أفرطوا في الإيمان بقوانين العلم مع أن هذه القوانين في تغير مستمر وإن كان بطيئا؛ إن القوانين العلمية مبنية على جملة من القضايا تعد حقائق، ولكن بعض هذه القضايا عرضة لظهور خطئها، فيخطئ بخطئها القانون المبني عليها، فاستكشاف قضايا جديدة أو حقائق جديدة قد يلغي قانونا كان مسلما به أو يعدله أو يرقيه، فالعلم في حركة مستمرة وتغير مستمر، ويجب أن يكون العالم واسع النظر، واسع الصدر لكل ما يستكشف من جديد، مستعدا لقبول ما تثبت صحته، مستعدا لتغيير وجهة نظره وتعديل إيمانه بالحقائق، وأحيانا يستكشف ما هو أساسي في العلم، فيكون ثورة على كثير من النظريات والقضايا، وأحيانا تستكشف حقائق جزئية يترتب عليها تغييرات جزئية؛ هذا هو تاريخ العلم، فالإفراط في الإيمان بقضاياه على أنها حقائق أبدية، غلطة كغلطة رجال الدين في تحجير النصوص.

وأمعن من ذلك في الخطأ أن كثيرا من العلماء اعتقدوا أن المنهج العلمي من ملاحظة وتجربة وبرهان هو المنهج الوحيد لكل شيء، ولا شيء غيره، وأن كل شيء في العالم يحل بالعلم وبمنهج العلم، وفاتهم أنهم بمنهجهم العلمي قد اتجهوا اتجاها صحيحا نحو عجلة العالم، يفحصونها ويجربونها ويمتحنونها، ولكنهم لم يتجهوا نحو محرك العجلة، وقد لا يستطيع العلم بمنهجه أن يبحث المحرك؛ والدقيق النظر الواسع الفكر لا يقف في بحثه عند العجلة ودورانها، بل يبحث ما وراءها، لا يقف عند المادة، ولكن يبحث ما وراء المادة.

إن العلم منهج صحيح للمادة، ولكن ليس الصحيح لغير المادة، هو منهج صحيح من جملة مناهج، ولكنه ليس المنهج الوحيد الصحيح، إن جمع المشاهدات وإجراء التجارب عليها والاستقراء والحكم به أحد طرق العقل للوصول إلى الحقيقة، ولكن وراءه طرق أخرى للوصول إلى الحقيقة أيضا.

إن شئت فانظر إلى الفنانين من شعراء وموسيقيين ومصورين، كيف يدركون من العالم ما لا يدرك العقليون، ثم ينقلون إلينا ذلك الشعور بشعرهم وموسيقاهم وتصويرهم فتهتز عقولنا هزة عميقة لا يبلغها قول علمي، ولا بحث فلسفي، بل أدرك هؤلاء الفنانون من حقائق العالم ما لم يدركه الفلاسفة والعلماء إلا بعد ذلك بأزمان، وقديما قالوا: «إن الفن إرهاص للفلسفة.».

هذه حقائق واقعة في العالم لا يمكن إنكارها، وليس منهجها هو المنهج العلمي المعروف، فمن الخطأ الإيمان بالمنهج العلمي وحده، إن منهج هذه الفنون الاعتماد على الإلهام وصفاء النفس وتفتح القلب، وهو منهج صحيح أيضا كالمنهج العلمي، له دائرته وله سبحاته التي لا تنكر، والاقتصار على المنهج العلمي في فهم العالم كذي رجلين يتعارج.

على هذا المنهج أيضا جرى الذين ملأ قلوبهم الشعور الديني من أنبياء ومتصوفة صادقين؛ فهؤلاء قد أدركوا - بما لهم من إلهام - من حقائق العالم وخالقه ومحركه ما لا يقل شأنا عما أدركه العلماء بمنهجهم، وأثروا في تاريخ الإنسان ما لا يقل عما أثره العلم، وإن هذا الإلهام وسيلة صحيحة من وسائل الوصول إلى الحق كما أن التجربة والملاحظة وسيلتان كذلك، ولكل دائرته ولكل اختصاصه، نعم قد يكون الإلهام في بعض النفوس خداعا وكذبا، وقد تصعب التفرقة بين ما هو إلهام وما هو مجرد خيال؛ ولكن كل وسيلة من الوسائل حتى الوسائل الحسية قد تفسد فلا توصل إلى الغرض، وهذا لم يقدح في الوسائل السليمة، فكما أن هناك شاعرا مزيفا، وموسيقيا ملهما وموسيقيا مصطنعا، كذلك هناك نبي ومتنبئ، ومتصوف ومجنون.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٣٢