تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ساد العلم وضعف الدين في أوروبا إثر حركات عنيفة قام بها العلماء من القرن السابع عشر، فوضعوا لأنفسهم منهجا علميا أساسه ملاحظة الظواهر وتحليلها تحليلا عقليا، وربط هذه الظواهر بعضها ببعض، ووضع الفروض في حلها وامتحانها وتجربتها، وإبعاد ما تدل التجربة على خطئه، وإثبات ما تدل التجربة على صحته، حتى إذا تم الاقتناع به أضيف إلى دائرة المعلومات واتخذ أساسا لبناء غيره عليه وهكذا؛ وتحرروا في منهجهم هذا من كل شيء إلا الملاحظة والتجربة والبرهان، فلم يعبئوا بأقوال القدماء كجالينوس وأرسطو، ولا بما ورد في الكتب الدينية، ولا بما قررته الكنيسة، ولم يسلموا بشيء إلا ما جرب في «المعمل»، فأداهم هذا المنهج إلى استكشاف آلاف من المسائل استخدموها في الحياة اليومية وبناء الحضارة الأوروبية، وعرفوا ما لا يحصى من قوانين الطبيعة، ولما كان كل مظاهر الحياة اليومية متأثرا بهذه المستكشفات العلمية زاد الناس احتراما للعلم وتقديرا له وإعجابا به، وكان من أثر ذلك شغف الناس بالأرض دون السماء، وبالعالم المادي لا الروحي، وبهذه الحياة لا بما بعدها.

وكان أن هاجم العلماء في بحثهم العلمي مسائل تتصل بالدين من قريب أو من بعيد؛ فآمن الناس بأقوالهم فيها كما آمنوا بأبحاثهم العلمية الأخرى، فكان لذلك أثره في ضعف موجة الدين في أوروبا، ولنقص عليك طرفا منها.

فمن أهم ما زلزل الناس تعاليم كوبرنيكس في النظام الشمسي، فقد قلب قيمة الأشياء رأسا على عقب، كان الناس يعتقدون أن الأرض مركز العالم، وأن الشمس والكواكب تدور حولها، وأن النجوم خلقت للأرض، والأرض خلقت للإنسان، فكل العالم وسيلة ومتعة للإنسان، فجاءت تعاليم كوبرنيكس فبرهنت على أن الأرض وما عليها ليست إلا هنة حقيرة في العالم، وأنها تدور حول الشمس لا أن الشمس تدور حولها؛ فحطم ذلك من أنانية الإنسان وحطم من عظمته، وقام رجال الدين ينكرون عليه تعاليمه لمعارضتها للنصوص الدينية.

وتلاه «دارون»، فأكمل القضاء على شعور الإنسان بعظمته، فدعا إلى تسلسل المخلوقات بعضها من بعض، وأن ليس الإنسان نوعا مخلوقا بذاته، وأن العالم من جماد ونبات وحيوان وإنسان وحدة مرتبط بعضها ببعض، ومترقية بعضها من بعض؛ فتغيرت بذلك النظرة إلى العالم، والنظرة إلى الإنسان، وخلعت على العالم نظرة ميكانيكية يرقى بها الحقير إلى ما فوقه بحكم البيئة وتنازع البقاء وبقاء الأصلح، حتى كأن العالم يصنع نفسه، وكان لهذه التعاليم أثرها في اصطدامها بظواهر آيات الكتب المقدسة.

وجاء علماء الجيولوجيا بعد علماء الفلك، وبعد نظرية دارون، فأخذوا يبحثون في بناء الأرض على قاعدة انفصالها من الشمس، وعلى قاعدة تسلسل الأنواع وما يستلزم ذلك من ملايين السنين في تكوينها وصلاحيتها للحياة، وتدرج الأنواع، وجاء بعدهم علماء الحياة، فجدوا في البحث عن الحياة وتطورها، وهكذا، فكان لهذا كله أثر في الدين، وعلى الأقل في ظواهر آياته. •••

وكما تقدم البحث في العلوم الطبيعية على هذا النحو تقدم البحث في التاريخ، فاستكشفت الآثار القديمة، وعرفت أهم لغاتها، وقرئت نصوصها، ووضع للتاريخ منهج على نمط منهج العلم؛ وتوجه بعد ذلك علماء التاريخ ينقدون الوثائق القديمة، فوصلوا مثلا إلى أن شعر هوميروس ليس شعرا لرجل واحد ولا لعصر واحد، وإنما هي أشعار لعصور متعاقبة لشعراء متعاقبة، وبحثوا تاريخ اليونان والرومان والأمم القديمة، فوصلوا إلى أن بعض ما دون عنها أساطير لم تصح، وبعضها حقائق تصح.

وبنفس هذه الوسائل، وبنفس هذا المنهج توجهوا إلى «الكتاب المقدس» من توراة وإنجيل يبحثونه وينقدونه، فبحثوا سفر التكوين وبقية الأسفار، كيف كتبت؟ ومتى كتبت؛ ونشروا على الناس نتائج أبحاثهم، ينكرون بعضا ويؤمنون ببعض، وينقدون الأسلوب والأحداث، ويستنتجون عصورها إلى آخر ما قاموا به؛ فكان لذلك رجة عنيفة أيضا في نفوس الناس، وخاصة المثقفين.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٣١