هي اليوم شتى وهي أمس جميع
مضى زمن والناس يستشفعون بي
فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع
والعرب تقول: فلان شق العصا إذا كان لا يدخل تحت حكم ولا طاعة.
ومهيار يقول:
يا، قصرت يد الزمان شد ما
تطول في ثلمي وفي نقض المرر
عصا شظايا ومشيب عنت
ومنزل ناب وأصحاب غدر
وصاحب كالداء إن أبديته
عور وهو قاتل إذا أسر
ثم يذكر فصلا في أحداث حدثت تدور حول العصا، كالذي روي أن قتيبة بن مسلم (الفاتح العظيم) لما تسنم منبر خراسان سقط القضيب من يده، فتطير الصديق، وتفاءل العدو، فقال قتيبة: ليس الأمر كما سر العدو وساء الصديق، بل كما قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينا بالإياب المسافر
وقص قصصا نجته فيها العصا من الموت، وهو في قلعة شيزر، إلى نحو ذلك، ولعل أظرف فصل في الرسالة هو الفصل الأخير، وهو أطولها وموضوعه «عصا الكبر» وقد ظهرت على المؤلف عاطفة الحزن والأسف على ما اعتراه في كبر سنه من ضعف بعد قوة، وحمل العصا بعد حمل السيف، وقد ألف هذه الرسالة وهو كبير السن، فأكثر من إيراد الشعر في هذا المعنى إنشاء وإنشادا؛ فمن ذلك ما رواه قال: أنشدني العميد أبو الحسن بالموصل سنة 526:
ما زلت أركب شاكلات الربرب
حتى مشيت على العصى كالأحدب
أأزيد ثالثة وأنقص عن مدى
مشي اثنتين؟ لقد أتيت بمعجب
والليث لو بلغت سنوه مدتي
أو قاربت، أمسى فريسة ثعلب
وأنشدني القاضي الرشيد أحمد بن الزبير بمصر سنة 539:
تقوس - بعد طول العمر - ظهري
وداستني الليالي أي دوس
فأمشي والعصا تمشي أمامي
كأن قوامها وتر لقوسي
ويقول هو نفسه:
حناني الدهر وأف
نتني الليالي والغير
فصرت كالقوس ومن
عصاي للقوس وتر
أهدج في مشيي، وفي
خطوي فتور وقصر
كأنني مقيد
وإنما القيد الكبر
والعمر مثل الماء في
آخره يأتي الكدر
وقال:
أصبح كفي مالكا للعصا
من بعد حمل الأسمر الذابل
أمشي بضعف وانحناء على
عصاي مشي الصائد الخاتل
كأنني لم أمش يوم الوغى
إلى نزال البطل الباسل
ولم أشق الجيش لا أختشي
من الردى كالقدر النازل
فانظر إلى ما فعل العمر بي
من طوله لم أحظ بالطائل
يا حسرتا إني غدا ميت
على فراشي ميتة الخامل
هلا أتاني الموت يوم الوغى
بين القنا والأسل الناهل
وقال:
حملت ثقلي في السهل العصا
ونبت في حين حاولت الحزونا
وإذا رجلي خانتني فلا
لوم عندي للعصا في أن تخونا
قال: وأنشدني الأمير السيد شهاب الدين العلوي الحسيني بالموصل سنة 515 لبعض المغاربة:
ولي عصا في طريق السير أحمدها
بها أقدم في تأخيرها قدمي
كأنها وهي في كفي أهش بها
على ثمانين عاما لا على غنمي
كأنني قوس رام وهي لي وتر
أرمي عليها رماء الشيب والهرم
ولعل في هذا القدر كفاية في إثبات أن الكتاب في «العصا»، لا في «القضا»؛ ولعله يدعو إلى التفكير في إصلاح الكتابة التي تخلط بين العصا والقضا.
الفصل الثالث والعشرون
| العلم والدين1
مما نلاحظ في تاريخ الإنسان أنه تسوده موجات متعاقبة في عصوره المختلفة وأممه المتعددة؛ فأحيانا تسوده موجة الشعر كالذي كان عند العرب في عصر الجاهلية، واليونان في عصر هوميروس، وأحيانا تسوده موجة الفلسفة كالذي كان عند اليونان في عصر سقراط وأرسطو وأفلاطون؛ وأحيانا موجة الدين كالذي كان في العالم الإسلامي والعالم الأوروبي في القرون الوسطى.
وكان من خصائص القرن التاسع عشر سيادة موجة العلم حتى طغت على كل ما عداها.
وقد كانت هذه الموجات في العصور الماضية موجات محلية لا موجات عالمية، فكنت ترى أمة يسودها الشعر، وأخرى تسودها الفلسفة؛ أما وقد ارتبط العالم الآن برباط محكم، وانكسرت الحدود، وكادت تنعدم المسافات فقد أصبحت الموجات عالمية، لذلك لما علت موجة العلم في القرن الماضي في أوروبا وضعفت فيها موجة الدين تأثر العالم كله بهذه الظاهرة، وطغت موجة العلم على الشرق والغرب، وضعف الدين في الشرق والغرب؛ وربما كان ضعفه في الغرب اجتهادا وضعفه في الشرق تقليدا؛ لأن المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب كما يقول ابن خلدون.