تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عجز عن حمل القلم، كما عجز قبل عن حمل السيف. •••

وفي ليلة من ليالي رمضان سنة 584ه في دمشق، والجو خريف والسكون رهيب، أسلم «أسامة» روحه لخالقه، وهو يدعو لصلاح الدين بتمام النصر، ويسأل الله لنفسه الغفران.

الفصل الثاني والعشرون

| ألعصا أم القضا؟

رأيت وأنا أدرس حياة «أسامة بن منقذ»، أن الأستاذ «فيليب حتى» لما نشر كتاب «الاعتبار» عدد كتبه وقال: إن منها كتابا اسمه «العصا»، وإن الأستاذ أحمد شاكر عند نشره كتاب «لباب الآداب» عدد أيضا كتب أسامة، وقال: إن منها كتاب «القضا»، وقال: إن الأستاذ فيليب حتى سماه كتاب «العصا» خطأ، وصوابه «القضا».

وحرت إذ ذاك بين الرأيين، هل اسم الكتاب «العصا» أو «القضا»؟ ورجحت أن يكون «العصا»؛ لأنها أنسب لحياة الفارس، وهو بعيد عن حياة القضاء، فبعيد أن يؤلف فيه؟ وقلت: لعل الأستاذ شاكرا؛ إذ كان قاضيا وله اتصال وثيق بالقضاء وتعود نظره قراءة كلمة القضاء أكثر من تعوده العصا رجح الرأي الأخير، وخطأ الأول، أو لعل له حجة لم يدل بها.

ومرت الأيام ، ومررت على وراقي في الأسبوع الماضي أبحث فيما عنده من الكتب، وشريت منه ما شريت، وكان عنده كمية من الورق (الدشت) - ولا أدري ماذا يسمى ذلك في اللغة الفصحى - فطلبتها، فأعطانيها.

واليوم أخذت أقلب فيها فوجدت أوراقا شتى من كتب لم أدر ما هي، ورسائل صغيرة بعضها قيم جدا، لعلي أحدث القراء حديثا آخر عنها، ورأيت كراسة صغيرة كتب عليها «كتاب العصا لأسامة بن منقذ»؛ ومع الأسف استطعمها الفيران فأكلت أطراف بعض ورقها؛ وهي تقع في ثلاثين صفحة، لعل من الطريف أن أصفها للقراء.

لقد وضع الجاحظ في كتابه «البيان والتبين» بابا طويلا سماه «كتاب العصا»، وهو يدور على الشعوبية الذين عابوا على العرب اعتمادهم في خطاباتهم على القناة والعصا، وقالوا: «ليس بين الكلام والعصا سبب، ولا بينه وبين القوس نسب، وهما إلى أن يشغلا العقل ويصرفا الخواطر ويعترضا الذهن أشبه ... وحمل العصا بأخلاق الأكرة والرعاة أشبه، وهو بجفاة الأعراب وعنجهية أهل البدو أشكل.» ... إلخ، فرد عليهم الجاحظ في كلام كثير واستطراد طويل قولهم، مبينا مزايا العصا ومحاسنها، ومستشهدا بعصا موسى، وعصا سليمان، موضحا مزاياها، وفيم تستخدم، ومم تؤخذ خيارها؛ وأن العصا للخطيب تأهب للخطبة، وتهيؤ للإطناب، فكأنهم قد وصلوا بأيديهم أيديا أخرى، وهي أوقع في نفوس السامعين، وعون للخطيب على الإفاضة، كالرايات في الحروب والأعلام، والقلانس للقضاة، والقناع للرؤساء والعظماء، وآلات الموسيقى للمغني، وكإشارات المتكلم برأسه ويده، وتقطيعه ضروب الحركات على ضروب الألفاظ وضروب المعاني، إلى مثل هذا.

أما رسالة «العصا» لصاحبنا أسامة، فقد بدأها بسبب تسميتها عصا، قال: إنما سميت العصا عصا لصلابتها، مأخوذ من قولهم: عص الشيء صلب، وعصي الشيء وعسي إذا صلب؛ والعصا: الجماعة، يقال: شق فلان عصا المسلمين؛ أي جماعتهم؛ وفي الحديث: «إياك وقتل العصا»، يريد المفارق للجماعة فيقتل ... إلخ.

وأول من خطب على العصا وعلى الراحلة قس بن ساعدة الأيادي.

والعرب تقول: فلان ممن قرعت له العصا، إذا كان يرجع إلى الصواب، وينقاد إلى الحق، ويستقيم عن زيغه إذا نبه.

وتقول: فلان صلب العصا ، إذا كان ذا نجدة وحزامة.

وتقول إذا تفرقت الخلطاء، واختلفت آراء العشيرة ومرج الأمر: انشقت العصا.

وتقول للمسافر إذا آب واستقرت به داره: ألقى عصا التسيار.

ثم أخذ يروي مختارات من الشعر والنثر، مما جاء فيها العصا؛ فالحجاج قال: والله لأعصبنكم عصب السلمة، ولالحونكم لحو العصا، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل.

والمتلمس يقول:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا

وما علم الإنسان إلا ليعلما

وقيس بن ذريح يقول:

إلى الله أشكو نية شقت العصا

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٢٩