تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويصف فرحهم بأعيادهم، ومرحهم في سباقهم.

ويقارن بين الطب عندهم والطب عند المسلمين، فيقول: إن طب الفرنج منه ما هو سخيف، فقد رأى فارسا من فرسانهم طلع له دمل في رجله، فأحضر له طبيب مسلم وطبيب منهم، فأما الطبيب المسلم فوصف له ما كاد يشفيه، وأما طبيبهم فقال له: أيهما أحب إليك، أن تعيش برجل واحدة، أو تموت برجلين؟ فقال: بل أحيا برجل، فأحضر فارسا وفأسا، وأمره أن يضرب رجله بالفأس ضربة واحدة يقطعها، فضربه فسال مخ الساق، ومات من ساعته، ومنه ما هو خرافي، كامرأة أصابها الصداع في رأسها فقال طبيبهم: «إنها امرأة في رأسها شيطان قد عشقها.» فأخذ موسى وحلق شعرها، وشق رأسها صليبا، وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس وحكه بالملح، فماتت في وقتها، ومع هذا فلهم أطباء مهرة حاذقون؛ فقد شاهد ملكا من ملوكهم رمحه حصان في ساقه فتلفت رجله، وفتحت في أربعة عشر موضعا وكلما ختم موضع فتح موضع، ولا تنفع فيه المراهم، فجاء طبيب إفرنجي فأزال تلك المراهم، وجعل يغسلها بالخل الحاذق حتى برئت؛ كما شاهد طبيبا آخر يعالج «عقد الخنازير» في مهارة، ولكن أطباء العرب كانوا أمهر؛ ومن أجل هذا كان كثيرا ما يبعث الفرنج في طلب أطباء من العرب.

وعلى الجملة فلم يعجبه الفرنج من الناحية الأخلاقية والاجتماعية إلا من ناحية شجاعتهم؛ وقد أجمل ملاحظاته في قوله: «وكل من هو قريب العهد بالبلاد الإفرنجية أجفى أخلاقا من الذين تبلدوا - يعني توطنوا - وعاشرو المسلمين.».

فيالله للمسلمين! أين كانوا من الفرنج وأين أصبحوا منهم؟ فشد ما يخطئ من يعد الأمر أمر طبيعة ودم وجنس! إنما الأمر أمر «تربية».

وناحية أخرى يستطيعها «أسامة» في مثل سنه، وهي أن يعين المسلمين برأيه ويفيدهم بتجاربه، وهذا لا يقل شأنا عن شجاعته وكفاحه.

فالرأي قبل شجاعة الشجعان

هو أول وهي المحل الثاني

ومع هذا فله ابن هو عضد الدولة أبو الفوارس يشترك في الحرب مع صلاح الدين ويحيا أسامة حياته الحربية فيه، فهو قطعة منه وقبس من ناره، وليمد هو بالرأي صلاح الدين، فيحدثنا بعض المؤرخين أن صلاح الدين استدعى أسامة من حصن كيفا «وأنزله أرحب منزل، وأورده أعذب منهل، وملكه ضيعة من أعمال المعرة، وذاكره في الأدب ودارسه، وكان ذا رأي وتجربة، وحنكة مهذبة، فهو يستشيره في نوائبه، ويستنير برأيه في غياهبه، وإذا غاب عنه في غزواته، كاتبه وأعلمه بواقعاته ووقعاته، واستخرج رأيه في كشف مهماته وحل مشكلاته». •••

خمس وثمانون ... تسعون «لما توقلت ذروة التسعين، وأبلاني مر الأيام والسنين، صرت كجواد العلاف، لا الجواد المتلاف، ولصقت من الضعف بالأرض، ودخل من الكبر بعضي في بعض، حتى أنكرت نفسي، وتحسرت على أمسي، وقلت في وصف حالي:

لما بلغت من الحياة إلى مدى

قد كنت أهواه تمنيت الردى

لم يبق طول العمر مني منة

ألقى بها صرف الزمان إذا اعتدى

ضعفت قواي، وخانني الثقتان، من

بصري وسمعي، حين شارفت المدى

فإذا نهضت حسبت أني حامل

جبلا وأمشي إن مشيت مقيدا

وأدب في كفي العصا وعهدتها

في الحرب تحمل أسمرا ومهندا

وأبيت في لين المهاد مسهدا

قلقا كأنني افترشت الجلمدا

والمرء ينكس في الحياة وبينما

بلغ الكمال وتم عاد كما بدا •••

في الحادية والتسعين يؤلف لباب الآداب، ويؤلف ويؤلف، ويقول: «ما للعلم غاية يدركها الراغب، ولا نهاية يقف عندها الطالب، هو أكثر من أن يحصر وأوسع، من أن يجمع، ولولا أن النفس إذا غولبت غلبت، وإذا زجرت لجت وأبت، لكان اشتغال من بلغ من السنين، إحدى وتسعين، بأعمال البر والثواب، أجدى عليه من الاشتغال بتأليف كتاب، بعدما بالغ الزمان في وعظه، بتأثيره في قواه وسمعه وبصره لا بلفظه، وأنذره تغير حاله، بدنو ارتحاله، فهو مقيم على وفاز، ميت في الحقيقة حي بالمجاز.». ... خمس وتسعون - ست وتسعون.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٢٨