1 •••
إن كان «أسامة» في الثمانين لا يصلح لحمل السيف، فيده تستطيع أن تحمل القلم، وإن كان درس الصيد في صباه علمه الفروسية، فدرس الأدب في صباه وفي فترات راحته طول عمره علمه التأليف في الأدب، فهو يعكف من قبيل الثمانين إلى ما بعد التسعين على المطالعة والدرس والتأليف.
يؤلف في الأدب «لباب الآداب» يقسمه إلى أبواب ، ويذكر في كل باب ما ورد فيه من القرآن، ثم الحديث ثم الآثار نثرا ونظما، منها ما ورد في كتب الأدب الأخرى ومنها ما لم يرد، ومنها أحداث حدثت له، وأمور حدثت في زمنه
2 ، ويؤلف في نقد الشعر، وفي الشيب والشباب، وفي تاريخ القلاع والحصون، وفي أخبار النساء، وفيمن شهد بدرا من الفريقين ... إلخ.
ويؤلف كتابا هاما أشبه بالمذكرات يكتبها العظماء في أحداثهم، وإن لم تكن مرتبة ولا مبوبة ويسميه «الاعتبار»
3 .
وهو - فيما وصلنا من تأليفه - واسع الاطلاع، حسن الالتفات، صحيح التقدير، ظريف الروح، ظريف الاستخدام لما يحيط به من ظروف. •••
قد صور لنا في كتابه الاعتبار، وقليل في لباب الآداب صورة دقيقة لنظرة المسلمين إلى الصليبيين في عصره، وأوضح لنا كثيرا من قوانين الفروسية عند المسلمين والإفرنج، وهو لا يستحل ذكرهم من غير أن يعقب عليه بخذلهم الله أو لعنهم الله، ومع هذا لا بأس من أن يتخذ من بعضهم أصدقاء، فهو يكره منهم فكرة الصليبية، ويصادق بعضهم لصفاتهم الشخصية.
يعجب لشجاعتهم ويقول: ليس لهم من فضائل الناس سوى الشجاعة، كما يعجب بنظرهم إلى الفروسية وتقدير أهلها «فليس عندهم منزلة عالية إلا للفرسان، ولا عندهم ناس إلا الفرسان، فهم أصحاب الرأي وهم أصحاب القضاء والحكم.» حكى أنه مرة تعدى قوم منهم على قطعان غنم للمسلمين، وكان بينهم وبينهم صلح، فشكا «أسامة» من ذلك لملكهم فلك الخامس
Fulk V
ملك أورشليم «فاختار الملك ستة من فرسانهم ليحكموا في هذه القضية، فخرجوا من مجلسه واعتزلوا وتشاوروا حتى اتفق رأيهم كلهم على شيء واحد، وعادوا إلى مجلسه الملك فقالوا: قد حكمنا بغرامة ما أتلف من غنمهم، وهذا الحكم بعد أن تعقده الفرسان ما يقدر أحد - ولو كان من مقدمي الفرنج - أن يغيره ولا ينقضه، فالفارس أمر عظيم عندهم.».
وينقد تنكرد
Tancred
نقدا مرا لإخلاله بأمان تعهد به، وبلدوين الثالث لمهاجمته أسرته وسلبها أموالها بعد أن أعطى أمانا كتابيا بألا يتعرض لهم.
ويقص قصصا كثيرة من أعمال فرسان من الفرنج وفرسان من المسلمين، كانوا يأتون بالعجائب في حروبهم وبطولتهم وفروسيتهم؛ ويحكي أن فارسا من الفرنج هزم أربعة من فرسان المسلمين فوبخهم أهل الحصن وعابوهم وفضحوهم وازدروهم، «فكأن تلك الهزيمة منحتهم قلوبا غير قلوبهم وشجاعة ما كانوا يطمعون فيها، فانتخوا وقاتلوا واشتهروا في الحرب، وصاروا من الفرسان المعدودين بعد تلك الهزيمة.» إلى كثير من قصص المغامرات التي تستخرج الإعجاب بالفرسان من الجانبين.
وينظر إلى الصليبيين نظرة بدوية عربية، فينقدهم في عدم الغيرة على نسائهم، فيقول: «وليس عندهم شيء من الغيرة، يكون الرجل يمشي هو وامرأته فيلقاه رجل آخر، فيأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها، والزوج واقف ناحية ينتظر فراغهما من الحديث، فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدث وتركها ومضى.» ويروي نوادر أخرى من هذا القبيل.
ويذكر أنهم شديدو العصبية لجنسهم ودينهم، فقد أسرت فتاة جميلة، وأدخلت إلى دار والد أسامة، فأهداها إلى الأمير شهاب الدين صاحب قلعة «جعبر» فأعجبته، وولدت له ولدا سماه «بدران» وجعله أبوه ولي عهده، ومات الوالد، وتولى بدران البلد، فغافلت أمه الناس وخرجت إلى «سروج» وهي في يد الفرنج، وتزوجت بأسكاف من بني جنسها؛ فكانت هي زوجة الأسكاف وابنها أمير قلعة «جعبر».
ومنهم من يظهر الإسلام ويصلي ويصوم، ويتزوج مسلمة، ثم إذا أمكنته الفرصة فر هو وأولاده وتنصروا بعد الإسلام والعبادة.