وكان له حس دقيق بهذه الأمور، فهو يراها ويلتفت لها ويعجب منها، ويحمله ذلك كل على الإيمان بالقدر خيره وشره.
رمى مرة - وهو صبي - عصفورا بسهم فلم يصب المرمى، ثم ارتد السهم فأصاب عصفورا آخر كان يطل برأسه من عشه - ولم يكن أسامة رآه - فقتله.
وهو وصاحبه مرة يهزمان ثمانية فرسان، ثم يهزمهما «رويجل».
ورجل يقتل أسدا، ثم تقتله عقرب.
و«ندى القشيري» الفارس يطعنه فارس صليبي فيقطع شريانا في صدره، ويخرج الرمح من جانبه الآخر، وكل الظن ألا يصل إلى بيته حيا، فيسلم ويصح، وتلتئم جراحه، ويبقى سنة إذا نام على ظهره لا يقدر على الجلوس إلا إذا أسنده اثنان، ثم يزول ما يشكو منه، ويعود مقاتلا كما كان.
و«عتاب» البطل المغوار، الضخم الجسم، الفخم الصوت، الذي يفعل الأفاعيل بالأعداء ويدور اسمه على كل لسان لشجاعته وفروسيته، يدخل بيته فيجلس على أريكة عليها غطاء، ويعتمد في جلوسه على يده، فتدخل فيها إبرة، فوالله لقد كان يئن أنينا يسمعه من بالحصن لعظم خلقته وجهارة صوته، ثم يموت، و«ندى» لا يموت.
ومعلم مكتب في قرية يعرض له أمر يحمله على الخروج من المكتب، وبعد مفارقته بقليل تزلزل الأرض ويقع البناء على الأطفال، فيموتون كلهم وينجو المعلم.
وكان «أسامة» يقاتل الإسماعيلية مرة، حتى إذا انتهى القتال سمع رجلا يصيح: «الرجال، الرجال»، فبادر هو وصحبه وسألوه عن صياحه، فأشار إلى إصطبل قديم مظلم، وقال: أسمع هنا صوت رجال، فدخلوا فوجدوا رجلين من الإسماعيلية فقتلوهما، ووجدوا إسماعيليا ورجلا آخر من رجالهم يتقاتلان، فقتلوا، الإسماعيلي وحملوا صاحبهم إلى المسجد وبه جراحات عظيمة وهو لا يتحرك ولا يتنفس، ويظن كل من رآه أن قد مات، ثم أخذ نفسه يتردد، فخاطوا جراحه في رقبته وجسمه، ثم عاد إلى صحته كما كان.
وأصبح «أسامة» يوما وهو واقف قرب الحصن، فرأى ثلاثة شخوص مقبلة، أما اثنان فكالناس، وأما الثالث بينهما فلم يتبينه، حتى إذا قرب رأي رجلا قد ضربه إفرنجي بسيفه في وسط أنفه، فقطع وجهه إلى أذنيه وقد استرخى نصف وجهه حتى تدلى إلى صدره، وبين النصفين من وجهه قريب من شبر، فدخل البلد وخاط الجراح وجهه وداواه، والتحم الجرح وشفي، وسموه ابن غازي «المشطور» من أجل ذلك.
وهو بنفسه عبرة العبر في ذلك، فكم قاتل أسودا ثم كادت تقتله ضبع، وكم أخطأ التقدير فخرج عليه الكمين وهو يظنه في مأمن، وهو يقاتل على فرس يظهر بعد أنه من أردأ الأفراس، ولا يظن نفسه تنجو ثم ينجو، ويخرج عليه العرب والفرنج في وادي موسى فيقتلون عباسا ومن معه ويسلم هو، إلى كثير من أمثال ذلك.
كل هذه المناظر وأمثالها أسلمته إلى الإيمان بالقدر إيمانا كإيمان العجائز، والإيمان بالقدر سلاح ذو حدين، فأحيانا يدعو إلى التواكل والخمول وترك الأمور تجري كما تشاء، وعدم الإيمان بالربط بين الأسباب والمسببات، وهذا أقبح وجهيه، وأثلم حديه، وهو الذي تلجأ إليه النفوس إذا ضعفت والقلوب إذا ماتت، وأحيانا يدعو إلى الشجاعة وركوب الأخطار في غير خوف، والإقدام في غير فزع، فالأعمار مقدرة، والإقدام لا يقصرها، والإحجام لا يمدها؛ وهذا التفسير الأخير هو الذي كان يعتنقه المسلمون في الصدر الأول من حياتهم، والذي كان يعتنقه أبطال المسلمين في كل عصر.
اسمع «أسامة» يقول: «إن ركوب أخطار الحروب لا ينقص مدة الأجل المكتوب.» «ولا يظن ظان أن الموت يقدمه ركوب الخطر، ولا يؤخره شدة الحذر، ففي بقائي أوضح معتبر، فكم لقيت من الأهوال، وتقحمت المخاوف والأخطار، ولاقيت الفرسان، وقتلت الأسود، وضربت بالسيوف، وطعنت بالرماح، وجرحت بالسهام؛ وأنا من الأجل في حصن حصين.».
انظر إلى الأيام كيف تسوقنا
قسرا إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قط بداره
نارا، وكان خرابها بالنار