ثم يصاب في أسرته وماله.
لقد استراح قليلا واسترد قوته وقد نيف على الستين، ولا يزال جنديا محاربا له قوة الشباب، فالتحق بجيش نور الدين محمود بن زنكي، وبذلك عاد إلى موقفه الطبيعي، وكاتبه طلائع يطلب منه أن يعود إلى مصر، وإذ كان جنديا يحب القتال في الثغور فقد عرض عليه طلائع أن يوليه أسوان، ويفتح بجنده الحبشة، وبذلك لا يناله سوء من استيحاش القصر منه، فاستشار في ذلك نور الدين، فقال له: «أما كفاك ما لقيت من مصر وفتنها؟».
فاعتذر لطلائع وسأله أن يرسل إليه أسرته بحرا، ولكن طريق البحر أيضا في يد الصليبيين، فحل نور الدين الإشكال، بأن يكتب إلى «بلدوين الثالث» ملك أورشليم ليمنحه أمانا لأسرة أسامة، فمنحه الأمان كتابة. •••
هذه أسرة أسامة في خمسين نسمة بين رجال ونساء، ومعهم أموالهم وحليهم وجواهرهم وذهبهم وفضتهم، وسيوف أسامة وسلاحه، وقيمتها كلها ثلاثون ألف دينار، ومعهم أيضا مكتبة أسامة التي اقتناها من خير مخطوطات مصر، وفيها أربعة آلاف مجلد، كل ذلك ينزل في مركب في دمياط ومعهم أمان بلدوين، حتى إذا وصلوا إلى عكا أرسل «بلدوين» رجال بالفئوس يكسرون المركب ويأخذون ما فيها، ويحتج بعض رجال أسامة بالأمان، فلا يلتفت إليهم، ويأخذ كل ما معهم، ويترك لهم خمس مئة دينار توصلهم إلى بلدهم؛ ويحمد أسامة الله كثيرا على سلامة أهله وولده، ويحز في نفسه قليلا ضياع المال وكثيرا ضياع الكتب؛ وبذلك يختم فصل من الرواية عنوانه «أسامة في مصر». •••
ها هو في الرابعة والستين وقد عاد فارسا من فرسان المسلمين، يقاتل في جيش نور الدين؛ والأزمان التي عركته في مصر عركت أهله في حصن شيرز، فقد مات عمه سلطان، وولي الحصن ابن عمه الذي كان ينافس أسامة.
والسنة سنة 552 هجرية، وقد ازين الحصن لحفل ختان ابن الأمير، واجتمع في الدور الفسيحة آل ابن منقذ كلهم، والراقص يرقص والزامر يزمر والطبال يطبل، والقوم في هرج ومرج، والسرور بالغ بهم غايته، وإذا بالأرض تزلزل زلزالا عنيفا، فيتسابقون إلى باب الدار، فترمح فرس الأمير أولهم فيقع، وينسد الباب وتقع الدار على من فيها ويهلك كل أهل أسامة، ويأتيه الخبر فتنهد قواه ثم يستردها بإيمانه ويقول:
لم يترك الدهر لي من بعد فقدهم
قلبا أجشمه صبرا وسلوانا
فلو رأوني لقالوا مات أسعدنا
وعاش للهم والأحزان أشقانا
لم يترك الموت منهم من يخبرني
عنهم فيوضح ما قالوه تبيانا
بادوا جميعا وما شادوا، فواعجبا
للخطب أهلك عمارا وعمرانا
هذي قصورهم أمست قبورهم
كذاك كانوا لها من قبل سكانا
وكذلك خربت أكثر بلاد الشام، فحماة والمعرة وحمص وكفر طاب؛ وأخطر ما في الأمر أن الزلزال هدم أسوار البلاد والقلاع، وانكشفت البلاد للصليبيين، فقام نور الدين يعيد الأسوار ويقيم القلاع، ووضع يده على حصن شيزر وعمر أسوارها ودورها وأعادها جديدة. •••
سبعون ... خمس وسبعون ... ثمانون ... هو في حصن كيفا، وقد دب إليه الضعف، وارتعشت منه اليد:
مع الثمانين عاث الدهر في جلدي
وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي
إذا كتبت فخطي جد مضطرب
كخط مرتعش الكفين مرتعد
فأعجب لضعف يدي عن حملها قلما
من بعد حطم القنا في لبة الأسد
وإن مشيت وفي كفي العصا ثقلت
رجلي كأني أخوض الوحل في الجلد
فقل لمن يتمنى طول مدته
هذي عواقب طول العمر والمدد •••
ألوم الردى، كم خضته متعرضا
له وهو عني معرض متجنب
وكم أخذت مني السيوف مآخذ ال
حمام، ولكن القضاء مغيب
إلى أن تجاوزت الثمانين وانقضت
بلهنية العيش الذي فيه يرغب
فمكروه ما تخشى النفوس من الردى
ألذ وأحلى من حياتي وأطيب
هذا صلاح الدين بطل المسلمين يأتي بالأعاجيب من فعال البطولة، ويستنزل من الإفرنج الحصن بعد الحصن ... آه ... لو كنت شابا. •••
علمت الأحداث «أسامة» أن يؤمن الإيمان كله بالقدر، وأي شيء يدعو إلى الإيمان بالقدر كالحرب والصيد؟ هذا حي تدل كل المظاهر على أنه سيحيا فيموت، وهذا حي تدل كل الدلائل على أنه يموت فيحيا؛ وهو نفسه يقف مواقف يرى فيها الموت محققا ثم ينجو، ويستهين بمواقف لا يرى فيها شيئا من الخطورة فيصاب.