وفي جند ابن السلار ابن زوجته عباس، رجل مغربي عربي الأصل من تميم، وله ولد جميل اسمه نصر، من خلان الخليفة الظافر وندمائه، فيوعز الخليفة إلى نصر وعباس بقتل ابن السلار ليكون عباس في الوزارة مكانه، ويتم ذلك ويقتل ابن السلار ويستوزر عباس، ثم بعد مدة يسأم الخليفة وزيره الجديد عباسا، فيوعز إلى ابنه نصر أن يقتل أباه ليحل محله، ويتردد نصر ثم يطلع أباه على ذلك، فيتآمران على قتل الخليفة فيقتله نصر، ويدخل عباس القصر، فيتهم أخوي الخليفة بقتله، ويقتلهما ويولي طفلا صغيرا هو ابن الظافر ويلقبه بالفائز، وسنه خمس سنين، وتهيج مصر على عباس وابنه، ويكاتب نساء القصر طلائع ابن رزيك الأرمني الأصل ووالي المنية، ليحضر فينتقم من قاتلي الخليفة، فيحضر وينتصر، ويهرب عباس وابنه إلى الشام، فيقتل عباس في الطريق، ويقبض عل ابنه نصر، فيرسل إلى القصر، فيمثل به ويعلق على باب زويلة. •••
هذه صورة سينمائية للأحداث التي حدثت في مصر أثناء إقامة «أسامة» بها، ما موقفه؟ كيف تصرف؟ كيف يستخدم فروسيته والفروسية لا تعرف العمل في الخفاء؟ الحق أنه موقف مربك للرجل الصريح.
لقد أصبح «أسامة» وله جنود ومماليك وأعوان، يجلس في مجلس الأمراء للتشاور فيما يعمل، ويقربه الولاة إليهم، ويتمناه كل في صفه لنجدته وغنائه.
لقد كان من أنصار القصر يوم كان الحافظ يتولى الخلافة؛ لأنه رب نعمته، ولأنه رجل؛ ولكنه انحرف عن القصر لما رأى من لهو الظافر ولعبه وتهتكه، وناصر ابن السلار، يحارب في صفه ويقاتل بجانبه، فكرهه القصر؛ لأنه يناصر عدوه؛ وكان ابن السلار رجلا مقداما شجاعا يحب رجال العلم، ولكنه قاس لا يرحم، يعاقب أكبر عقوبة على أصغر جريمة، فأحبه أسامة لشجاعته، وأغضى عن قسوته، وأمن ابن السلار إليه وأنس به، وبعثه بمهمة حربية إلى نور الدين محمود بن زنكي ليتفق معه على تكوين جيش لمحاربة الصليبيين في الشام ليخفف ضغطهم على مصر، وقام أسامة بمهمته وحارب الصليبيين في عسقلان وبيت جبريل، وظل يقاتل حتى أحس ابن السلار بحرج مركزه في مصر، فاستدعاه ليكون بجانبه ففعل.
فلما قتل ابن السلار واستوزر عباس وجدنا أسامة بجانبه وبجانب ابنه نصر يستشيرانه في أدق الأمور حتى فيما أوعز به الخليفة إلى نصر أن يقتل أباه، فينهاه عن ذلك، ويحذره غضب الله ووخز الضمير؛ ولا بد أن يكونا قد أطلعاه على قتل الخليفة، مقابلة للمؤامرة بمؤامرة، ومن هنا اتهمه كثير من المؤرخين باشتراكه في المؤامرة، وليس ذلك ببعيد عليه؛ وعذره أن الخليفة الغر هو البادئ بتحريض الابن على أبيه، فالجزاء من جنس العمل، ولكن عباسا أسرف فقتل الأبرياء من إخوة الظافر، وهو عمل لا يبرره شيء، فكان على أسامة أن ينفض يده منه ويقطع صداقته، ولكنه لم يفعل.
لقد دخل طلائع بن رزيك مصر وكان لأسامة صديقا أيضا، وكان أسامة يحبه، وعرض عليه طلائع أن يكون بجانبه وله المشاركة في عزه وجاهه، والدنيا مقبلة عليه؛ ولكن عباسا في أشد أوقاته حرجا يلجأ إليه ويطلب منه أن يصحبه في الخروج من مصر حتى لا يغتاله مغتال؛ ويحار أسامة بين صديق تقبل عليه الدنيا وصديق تدبر عنه، والذي تقبل عليه لم يلوث يده بالقتل، وإنما ينصر المظلوم، والذي تدبر عنه قد سفك الدماء البريئة، ولكنه في شدة وقد استنجد ليحفظ حياته؛ وأخيرا بعد تردد طويل وشقاء ضمير اعتذر لطلائع الفائز وخرج من مصر مع عباس البائس. •••
عشر سنين في مصر هي أسوأ حياته، لقد خلق لقتال الصليبيين فقضاها في مصر في قتال بعض المصريين لبعض المصريين، وخلق للعيشة القاسية، فعاش في مصر عيشة ناعمة، وخلق للصراحة فعاش في المؤامرات، وخلق لا يأبه للمال فأتاه المال في مصر من حيث لا يحتسب؛ ولكن الله عاقبه على أنه لم يعش كما خلق، فكان خروجه سلسلة كوارث؛ يصحب عباسا في الطريق، ويترك أسرته في حماية طلائع بن رزيك، فيكاتب القصر وبعض أهل مصر الفرنج والعربان أن يكمنوا لعباس ومن معه في الطريق، فيخرجون عليهم، ويقتل عباس ويؤسر نصر ويرد إلى مصر مخفورا، وينجو أسامة بأعجوبة بعد أن يصاب في رأسه بضربتين بالسيف يفقد بهما وعيه، وأخيرا جدا يصل إلى دمشق في أسوأ حال.