تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دخل «أسامة» مصر سنة 549ه وقد نيف على الخمسين، في خلافة الحافظ لدين الله الفاطمي، ولم يكن أسامة بالمغمور ولا بالمجهول، فاستقبله الخليفة وأنزله منزلا كريما، وأغدق عليه من نعمه المتواصلة، وقد بهرت أسامة فخفخة القصور وزينتها، وذهبها وفنها وصورها وتماثيلها، وحراسها ورسومها، مما لم ير مثيله في دنياه، ولا حلم به في منامه؛ ولكن تبين له بعد أنها صورة جميلة ولا روح، ومظهر أنيق ولا حياة، ومتحف آثار يدل على مجد قديم ورثه نسل ذليل، ونضح على أسامة شيء من ذلك الزخرف، فعاش في دار من دور الأفضل ابن أمير الجيوش، وهي دار - كما يقول - في غاية الحسن، وفيها بسطها وفرشها وآلاتها من النحاس، ورفل في الحرير، وتبحبح في النعيم.

لقد أراد «الحافظ» أن يتخذ منه فارسا بطلا، يستعين به في أزماته، ويستخدمه في مهماته، ويغدق عليه من خيراته، ويشركه في لذاته، ولكن هل أخلدت نفس أسامة إلى النعيم، ووجدت راحتها في الراحة؟ لا، لا، ولقد مثل نفس الدور الذي مثلته من قبل ميسون بنت بحدل الكلبية البدوية لما تزوجها معاوية ونقلها من بادية كلب إلى قصور دمشق، وقد أفزعها النعيم فصرخت:

لبيت تخفق الأرواح فيه

أحب إلي من قصر منيف

ولبس عباءة وتقر عيني

أحب إلي من لبس الشفوف •••

وأصوات الرياح بكل فج

أحب إلي من نقر الدفوف •••

خشونة عيشتي في البدو أشهى

إلى نفسي من العيش الطريف

كذلك صرخ أسامة فقال:

انظر إلى صرف دهري كيف عودني

بعد المشيب سوى عاداتي الأول

قد كنت مسعر حرب كلما خمدت

أذكيتها باقتداح البيض في القلل

همي منازلة الأقران أحسبهم

فرائسي، فهم مني على وجل

أمضي على الهول من ليل، وأهجم من

سيل، وأقدم في الهيجاء من أجل

فصرت كالغادة المكال مضجعها

على الحشايا، وراء السجف والكلل

قد كدت أعفن من طول الثواء كما

يصدي المهند طول اللبث في الخلل

أروح بعد دروع الحرب في حلل

من الدبيقي، فبؤسا لي وللحلل

وما الرفاهة من رامي ولا أربي

ولا التنعم من شاني ولا شغلي

ولست أرضى بلوغ المجد في رفه

ولا العلى دون حطم البيض والأسل

ولكنه أقام على مضض، يشقى في النعيم؛ إذ كان من طبعه أن ينعم في الجحيم.

فها هو مقرب إلى الخليفة الحافظ، تفتح له أبواب القصر إذا حضر، ويتفقد إذا غاب، ويركب الفرس بسرج من ذهب، وما كان لأحد أن يركب أيام الحافظ بسرج من ذهب غيره.

ومع هذا فلا ينسى فروسيته، فقد كان للحافظ جوارح كثيرة من البزاة والصقور والشواهين البحرية، وكان عليها رجال يخرجون بها للصيد في كل أسبوع مرتين، فكان أسامة يخرج معهم، فيصيدون طيور الماء وطيور البر ونوعا من البقر وحشيا كان يسمى بقر بني إسرائيل - أصغر من البقر وأشد منه عدوا - وفرس البحر، وكان في النيل كثيرا (ويحدثنا أنها مثل البقرة الصغيرة، وعيناها صغيرتان، لها أنياب طوال في فكها الأسفل، صياحها مثل صياح الخنازير).

مات الحافظ وخلفه ابنه الظافر وعمره سبع عشرة سنة، فزاد الأمر سوءا، وتنازع الأمراء على الوزارة، وكثرت الدسائس، واضطر أسامة أن يدخل في المعترك ويغمس يده في المفاسد.

الفصل الحادي والعشرون

| فارس كنانة (4)

هذا الخليفة الفاطمي «الحافظ» يموت وله ابنان كبيران، يعدل عنهما، ويعهد بالخلافة لأصغر أولاده سنا، وهو في السابعة عشرة من عمره، ويوصي بالوزارة لأمير مغربي اسمه ابن مصال، ويلقب الخليفة الجديد الصغير بالظافر.

وهذا الظافر فتى ربي تربية ناعمة، لا يعرف غير اللهو واللعب، والسكنى إلى الجواري وسماع الأغاني، فأما تدبير الأمور فللوزير ابن مصال.

والخليفة يحب ابن مصال، ويحب بقاءه، وولاة الأقاليم كلهم طامع في الوزارة، فيأبى ابن السلار الكردي الأصل ووالي الإسكندرية والبحيرة، فيجمع جنده وسلاحه، ويهجم على القاهرة، ويقتل ابن مصال، ويتربع في دست الوزارة، والخليفة مضطر إلى إقراره وهو له كاره.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٢٣