تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نافقت دهري فوجهي ضاحك جذل

طلق وقلبي منه مكمد باك

وراحة القلب في الشكوى، ولذتها - لو أمكنت - لا تساوي ذلة الشاكي •••

لئن غص دهري من جماحي أو ثنى

عناني أو زلت بأخمصي النعل

تظاهر قوم بالشمات جهالة

وكم إحنة في الصدر أبرزها الجهل

وهل أنا إلا السيف فلل حده

قراع الأعادي ثم أرهفه الصقل •••

وما أشكو تلون أهل ودي

ولو أجدت شكايتهم شكوت

مللت مقالهم ويئست منهم

فما أرجوهم فيمن رجوت

إذا أدمت قوارضهم فؤادي

كظمت على أذاهم وانطويت

ورحت عليهم طلق المحيا

كأني ما سمعت ولا رأيت

تجنوا لي ذنوبا ما جنتها

يداي ولا أمرت ولا نهيت

ولا والله ما أضمرت غدرا

كما قد أظهروه ولا نويت

ويوم الحشر موعدنا وتبدو

صحيفة ما جنوه، وما جنيت

إلى أين؟

إلى دمشق، فأميرها يطلبه ويلح عليه في المجيء. •••

كانت الشام والجزيرة في ذلك العهد مبعثرة، لا تؤلف وحدة، فكل بلد كبير عليه أمير مستقل يجبي أمواله، ويدافع عنه برجاله؛ ففي دمشق أمير، وفي حلب أمير، وفي حمص وحماة أمير، وهكذا، وكانت العلاقة بين هؤلاء الأمراء علاقة عداء غالبا، يتخاصمون ويتقاتلون، والصليبيون يجمعون أمرهم، وينسون الإحن بينهم، وتقوم الكنيسة بفض النزاع وتدعو إلى الوئام، وتطلب من أمم الغرب من فرنسيين وألمان وإنجليز أن يتحدوا ويتعاونوا لأنقاذ بيت المقدس من يد المسلمين، وتبذل الجهد للتوفيق بين روما والقسطنطينية، على شدة ما كان بينهما من نزاع وخصام؛ فتنجح الدعوة ويتصادق الخصمان، وتتجمع الجموع هاجمة على الشرق تنتزع من المسلمين بلدة بعد بلدة، والمسلمون يقاتلون بلدانا متفرقة لا كتلة واحدة؛ وقد يثور النزاع بين أمير مسلم وأمير مسلم، فيستنجد هذا بالصليبيين، ويستنجد هذا بهم أيضا، فينصرون هذا وذاك؛ لأن في إضعاف كل على أي حال تحقيقا لغرضهم، ونيلا لمقصدهم؛ فكانت البلاد الإسلامية تنتظر زعيما غيورا قويا يضم الإمارات تحت سلطانه، ويؤلف منها وحدة متماسكة، وقد وجدته أولا في عماد الدين زنكي، ثم في ابنه نور الدين محمود بن زنكي، ثم في تلميذ نور الدين؛ صلاح الدين الأيوبي. •••

كان أمير دمشق وقت أن دخلها أسامة شهاب الدين محمود بن بوري بن طغدكين ووزيره معين الدين أنر، وكلاهما يحب أسامة - وخاصة الوزير - ويفرح بإقامته بينهم لفروسيته ونجدته وغنائه في الحروب؛ فكان بطل دمشق كما كان بطل شيزر، يخرج للصيد مع الأمير، ويقاتل أعداءه؛ ويرى الناس فيه أنه خير محارب في جند دمشق، وألمع درة في تاج الأمير؛ وتتوثق الصلة بينه وبين الوزير معين الدين، ويعيش على هذه الحال سبع سنوات؛ ثم ينقلب الناس على معين الدين، وتسوء حاله، ويذهب عزه، ويتأثر مركز أسامة بمركز صديقه، فتنهب داره ويسرق سلاحه، ويقر الوزير بالعجز عن مساعدته، وينصحه بمغادرة دمشق.

فإذا إلى مصر، فهي تعرفه كما تعرفه دمشق. •••

هذه مصر في أواخر العهد الفاطمي، وقد تعفنت فيها أداة الحكم؛ فالخليفة مسلوب الأمر، له الاسم ولوزيره الحكم، والأمراء يتقاتلون على الوزارة، فمن غلب نالها وألبسه الخليفة خلعتها، فإذا غلب عزل وخلع الخليفة خلعته على الغالب؛ والجنود سودانيون منقسمون أحزابا، وعرب متفرقون شيعا، وأتراك ومغاربة تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، والخلفاء - وقد سلبوا الحكم - فرغوا للذات وتدبير المؤامرات، فإذا كرهوا وزيرا دبروا المؤامرات لقتله أو خلعه، والأمراء إذا طمعوا في الوزارة وأعيتهم جنودهم انتصروا بغيرهم؟ فهذا يكاتب الفرنج يستنصرهم، وهذا يكاتب أمراء الشام يستصرخهم، والخليفة يقتل ابنه؛ لأنه استوزر فاستبد بأبيه، وابن الوزير يحرض على قتل أبيه ويمنى بالوزارة من بعده، والأمر فوضى والناس في كرب.

مالأسامة وهذه الفتن وهذه الدسائس وهذا الجو السام، وقد خلق لا يستنشق إلا الهواء النقي على ظهر فرسه في صيد أو غزو، وقد تخلق بأخلاق الفروسية من شهامة ونبل؟ ولكنها الأقدار تحكم على الوردة أن ترمى في مستودع الأقذار؛ على أنه لم يكن بعيدا عن الدسائس كل البعد؛ فقد شاهدها في بلاط عمه «سلطان»، وشاهدها في بلاط أمير دمشق ووزيره، ولكنها كلها صورة مصغرة لما سيلقاه في مصر، في البلاط الفاطمي. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٢٢