سل بي كماة الوغى في كل معترك
يضيق بالنفس فيه صدر ذي الباس
ينبئوك بأني في مضايقها
ثبت إذا الخوف شق الشاهق الراسي
أخوضها كشهاب القذف يصحبني
عضب كضوء سرى أو ضوء مقباس
إذا ضربت به قرنا أنازله
أوجاه
1
عن عائد يغشاه أو آس
وهكذا كانت حياته بعد، كل يوم غارة منه يغيرها، وغارة عل قومه يردها، ويخرج يوما يقاتل العرب ويوما ينازل الفرنج، ويوما يقاتل فيقتل، ويوما ينهزم ويجرح، هذا يوم يخرج هو وصديقه «جمعة النميري» يهزمان ثمانية من فرسان الصليبيين، وهذا يوم يخرجان أيضا فيهزمهما - على حد تعبيره - رويجل صغير الجسم معه قوسه ونشابة، فيعجبان كيف هزما ثمانية وهزمهما رويجل! حياة كلها مغامرات وكلها فروسية، ثم يترجم ما يجيش في صدره ويدور بخاطره إلى شعر قوي جميل:
سأنفق مالي في اكتساب مكارم
أعيش بها بعد الممات مخلدا
وأسعى إلى الهيجاء، لا أرهب الردى
ولا أتخشى عاملا ومهندا
فإن نلت ما أرجو فللمجد ثم لي
وإن مت خلفت الثناء المؤبدا •••
تجهل في الإقدام رأيي معاشر
أراهم إذا فروا من الموت أجهلا
أيرجو الفتى عند انقضاء حياته - وإن فر - عن ورد النية مزحلا
إذا أنا هبت الموت في حومة الوغى
فلا وجدت نفسي من الموت موئلا
وإني إذا نازلت كبش كتيبة
فلست أبالي أينا مات أولا •••
لأرمين بنفسي كل مهلكة
مخوفة يتحاماها ذوو الباس
حتى أصادف حتفي فهو أجمل بي
من الخمول وأستغنى عن الناس
هذا أسامة عمره ثلاثون ... أربعون ... أربع وأربعون، ومعيشته في حصن «شيزر» على نمط واحد: غزو وقتال وصيد، وتحمل أعباء يتخللها لمحات من الراحة.
لقد أجاد في حياته حرب الخصوم، وشهد في شبابه أيضا حرب العواطف، فأحب وتيمه الحب، ونعم بالوصال، وألم للفراق، وغنى بشعره لحبه، كما غنى به لحربه:
شكا ألم الفراق الناس قبلي
وروع بالنوى حي وميت
وأما مثل ما ضمت ضلوعي
فإني ما سمعت ولا رأيت •••
أحبابنا! كيف اللقاء ودونكم
خوض المهامه والفيافي الفيح
أبكيتم عيني دما لفراقكم
فكأنما إنسانها مجروح
وكأن قلبي حين يخطر ذكركم
لهب الضرام تعاورته الريح
فلما بلغ الأربعين وعلا رأسه المشيب صبا عن الحب وفرغ للمجد وقال:
قالوا نهته الأربعون عن الصبا
وأخو المشيب يحور ثمت يهتدي
كم حار في ليل الشباب فدله
صبح المشيب على الطريق الأقصد
وإذا عددت سني ثم نقصتها
زمن الهموم فتلك ساعة مولدي
الفصل العشرون
| فارس كنانة (3)
اشتهر الأمير أسامة ودوى اسمه في الشام ومصر والعراق، عرفه أهل الحصن بالنجدة والشجاعة والكرم، وعرفه الصليبيون فارسا نبيلا يسير على أدق تقاليد الفروسية، وعرفه العالم الإسلامي بطلا يدافع عن الإسلام ويفتك بالصليبيين، ولكن ...
كان أمير الحصن عمه «سلطان» أيضا بطلا فارسا، حنا على أسامة وعلمه البطولة والفروسية، وكانت تعجبه مخايله، وكلما أتى عملا أو فعلا نبيلا اهتز له فرحا، وفي نفسه أن أسامة ولي عهده، وحامي الحصن من بعده، وكل قومه يرشحونه لذلك؛ كان هذا كله يوم كان عمه عقيما لم يولد له، فأما وقد رزق ابنه محمد، وشب ولقب بناصر الدين، فقد تحول هذا الحب إلى غيرة، وأصبح كالمرأة تغار من ضرتها، فأعمال أسامة النبيلة تزعجه، وفعالة تقض مضجعه، ويأتي أسامة يوما برأس أسد قتله، ويظن أن هذا يبهج عمه، ويقول في سذاجة: «إني أخاطر نفسي لأتقرب إلى قلب عمي.» فتقول له جدته الخبيرة المجربة: «لا والله، ما يقربك هذا منه، ولكنه يزيده منك بعدا ووحشة.».
ويتقرب قرناء السوء فيعلون من شأن محمد، ويصغرون من شأن أسامة، ويختلقون ما لم يكن، ويشعلون نيران العداوة، فيوسوسون لأسامة بما يزيد غيظه، ويوسوسون «لسلطان» بما يحرج صدره، وتفسر الأقوال والأفعال تفسيرا مزعجا يزيد النار اشتعالا، ويتحزب قوم «لسلطان» جهرا، ويتحزب آخرون لأسامة سرا، وتصبح معيشة أسامة في الحصن لا تطاق، فيفكر في الرحيل، ويقول: