لقد عرف طبائع الأسود من كثرة منازلتها قال: «فوجدت منها الجبان ومنها الشجاع، وعرفت أنه إذا خرج من موضع فلا بد له من الرجوع إليه، ولقد رأيت رأس الأسد يحمل إلى بعض دورنا، فنرى السنانير تهرب من تلك الدار، وترمي نفسها من السطح، وكنا نسلخ الأسد ونرميه من الحصن فلا يقربه الكلاب ولا شيء من الطير، وما أشبه هيبة الأسد على الحيوان بهيبة العقاب على الطير! فإن العقاب يبصره الفروج الذي ما رأى العقاب قط فيصيح وينهزم، هيبة ألقاها الله في قلوب الحيوان لهذين الحيوانين.» ثم يقول: «وقد قاتلت السباع في عدة مواقف لا أحصيها، وقتلت عدة منها ما شاركني في قتلها أحد سوى ما شاركني فيه غيري، حتى خبرت منها وعرفت من قتالها ما لم يعرفه غيري؛ فمن ذلك أن الأسد مثل سواه من البهائم يخاف ابن آدم ويهرب منه وفيه غفلة وبله، ما لم يجرح فحينئذ هو الأسد وإذ ذاك يخاف منه.».
ثم خرج من هذا الصيد وقد جرح مرارا وكسرت أضلاعه مرارا، ولكنه خرج أيضا فارسا عظيما، وشجاعا نبيلا.
وكما تعلم أسامة القتال في الصيد تعلمه في الإنسان، كانت غلطة منه ولكن داعيها شريف نبيل، هذا أسامة الصبي واقفا على باب داره، فرأى غلاما لوالده يلطم صبيا من خدم الدار، فجرى الصبي وتعلق بثياب أسامة يحتمي به، وكان يكفي ذلك أن يكف الغلام احتراما للجوار على عادة العرب، ولكن الغلام الكبير ما أبه لهذه التقاليد، ولا احترم قوانين النجدة، فضرب الصبي وهو محتم بثياب أسامة، فأخرج أسامة من وسطه سكينا ضربه بها ضربة كانت القاضية. •••
وأما المنهج العلمي فوالده يحفظه القرآن، ويأمره بتلاوته حتى في الطريق وهم خارجون للصيد، وعلماء كبار يعلمونه الحديث والنحو والأدب، فأبو الحسن السنبسي يعلمه الحديث، وابن المنيرة يعلمه الأدب، وأبو عبد الله الطليطلي يعلمه النحو؛ فحفظ القرآن وسمع الحديث، وتعلم النحو، وحفظ آلاف الأبيات من الشعر الجاهلي، وأخذ هو يكمل نفسه بما يقرأ من كتب وبما يسمع من العلماء والشعراء رواد مجلس أسرته.
فكان فارسا أديبا وجنديا عالما، واستطاع أن ينتفع بخير المنهجين، كان منهج الفروسية قاسيا رققه العلم والأدب والشعر والدين، وكان بعض شيوخه العلماء فيهم جبن وخوف، فأخذ علمهم وترك جبنهم، هذا أستاذه ابن المنيرة يطلب منه أن يتقلد رمحا وترسا ويقف في موضع من طريق الإفرنج حتى يروه فلا يجتازوه، فيأبى ويقول: والله لو وقفت لاجتازوه كلهم، فيقال له: إنهم يهابونك؛ لأنهم لا يعرفونك، يقول: أنا أعرف نفسي، ثم يقرر مبدأ خطيرا؛ إذ يقول: «ما يقاتل عاقل.» فيغضب أسامة من سماعه هذا المبدأ الجبان ويقول: «إنه كان بالعلم أخبر منه بالحرب، فإن العقل هو الذي يحمل على الإقدام على السيوف والرماح أنفة من موقف الجبان.».
ولابن المنيرة فصول أخرى من الجبن قصها أسامة وسخر منها، فكان ينتفع بعلمه ويهزأ بجبنه.
ولعل برنامج العلماء من هذا التاريخ كان ينقصه أن يطعم بشيء من الفروسية. •••
اليوم يوم الجمعة خامس جمادى الأولى سنة 513ه، كان أسامة في الخامسة والعشرين من عمره، واليوم كان أول قتال قاتله، خرج فيه مع عمه ورجال من قومه، فخرج عليهم جماعة كبيرة من الصليبيين، وكان قتال تشيب منه الأطفال، وأخذ الموت يحصد رجال أسامة، وقد هان عليه الموت، فهو يقاتل وتحته فرس مثل الطير، يطعن هذا فيأتي عليه، ويدور على آخر فيطعنه من ورائه طعنة تنفذ من قدامه، ويحمى ما استطاع من أصحابه، فاذا أعيت فرسه ركب أخرى أعدها مملوكه، حتى انتهت الموقعة ورجع أسامة إلى شيزر مع من بقي سالما.
وفي سكون الليل بعث عم أسامة إليه يطلبه، فإذا عنده فارس من الصليبيين، فقال له عمه: «هذا فارس أعجبه اليوم قتالك فجاء يهنئك بموقفك، ويبدي إعجابه من طعناتك وشجاعتك.» وهذه عادة الفرسان، يعجب البطل بفعال البطولة ولو صدرت من خصومه، وكان هذا هو الوسام الأول لحياته الحريبة الطويلة، ومن ذلك اليوم شعر بثقته بنفسه واعتماده على ربه وأنشأ يقول: