إني وإن كنت ابن سيد عامر
وفارسها المشهور في كل موكب
لما سودتني عامر عن كلالة
أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي
أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
وقول خالد بن الوليد: «ما ليلة أقر لعيني من ليلة تزف إلي فيها عرس إلا ليلة أغدو فيها لقتال عدو.».
إلى كثير من أمثال هذا الأدب الحماسي القوي الذي ينسجم وحياتهم، ويخدم أغراضهم. •••
في هذا الحصن العجيب، وهذا الوسط الجني الغريب، ولد بطلنا «فارس كنانة» أسامة بن منقذ حفيد فاتح الحصن سديد الملك أبو الحسن.
رباه أبوه وأمه من صغره تربية الفروسية، يحبانه ولكن يحبانه شجاعا، ويرعيانه ولكن يشفقان عليه من الإشفاق، يدفعانه للمخاطر دفعا، ويحرضانه على مواجهة الصعاب واجتهاده في تذليلها، مهما تكن العاقبة.
أسمعه - أيها القارئ - يقص علينا قصة صباه فيقول: ما رأيت والدي - رحمه الله - نهاني عن قتال ولا ركوب خطر مع حبه لي، ولقد حضرت يوما وكان أبي وعمي قد خرجا لقتال الأعداء فلحقتهما، فلما رآني أبي قال: أتبعهم بمن معك وارموا أنفسكم عليهم، فخرجت ورميت نفسي واستخلصت ما استخلصت من عدوي.
ومرة كنت معه وهو واقف في قاعة داره وإذا بحية عظيمة قد أخرجت رأسها من الرواق فوقف يبصرها، فحملت سلما كان في جانب الدار وصعدت إليها وهو يراني فلا ينهاني، وأخرجت سكينا صغيرا من وسطي ووضعتها على رقبة الحية وهي نائمة، وجعلت أحزها، فخرجت الحية والتفت على يدي (فما جزع ولا فزع ولا تكلم) إلى أن قطعت رأسها وألقيتها في الدار.
ولم تكن أمه أقل من أبيه في تربيته وتدريبه، فلديها السلاح تعطيه للمقاتلة، ولا تبخل على ابنها باستعماله.
الفصل التاسع عشر
| فارس كنانة (2)
هذا أسامة صبيا، قد وضع لتربيته منهجان: منهج للفروسية، ومنهج للعلم والدين.
فأما منهج الفروسية فيتلخص في تعليمه صيد الوحوش ليتعلم منه صيد الأعداء، وكان الصيد ملهى الأسر الأرستقراطية في ذلك العصر، في مصر والشام والعراق، وكان لأسرة أسامة احتفال عظيم له، وعناية كبرى به، وإنفاق للأموال الكثيرة في سبيله، وكان أبوه «مرشد بن علي» وعمه «سلطان» من أشد الناس ولعا بالصيد، وغراما به، وتفننا فيه.
وكان في ضواحي شيزر متصيدان: أحدهما في الجبل جنوبي الحصن يصيدون فيه الحجل والأرانب، والثاني أجمة في الغرب على النهر يصيدون فيها طير الماء والدراج والأرانب والغزلان، ودعاهم ذلك إلى اقتناء حيوانات الصيد وجوارحه من كلاب وبزاة وصقور وفهود، رتبت لها أماكنها وخدمها الذين يعنون بها، ويقومون بتغذيتها وتدريبها وإصلاحها، فكان أبوه يبعث - حتى إلى القسطنطينية - من يشتري له منها بزاة، وإذا سمع شهرة عن جارحة من الجوارح، جد في الحصول عليها أو على نسلها.
كان يخرج صباحا إلى الصيد من حين إلى حين مع أولاده الأربعة، ومنهم «أسامة»، ومعهم مماليكهم وسلاحهم، ومعهم أربعون فارسا من أخبر الناس بالصيد، فإذا وصلوا إلى المتصيد أمرهم والد أسامة بالتفرق كل مع جوارحه وحيوانه وغلمانه، ثم يرسلون الطيور أو الكلاب، ولا يزالون يومهم في جري وقفز وصيد يرتبون أمورهم كترتيب الحرب، ثم يعودون في المساء بصيدهم، وكان لذلك الصيد أثر حميد في أسامة، فقد عرفه طبائع الحيوان والطيور، وأكسبه علما واسعا بحيلها وقتالها وشجاعتها وجبنها وطرق معايشها.
حتى إذا مرن «أسامة» نازل الأسود والضباع، وكان بالشام؛ إذ ذاك أجمات كثيرة ترتع فيها الأسود، فكان هو وصحبه إذا سمعوا بأجمة منها طاروا إليها، ويقول في حديثه: إن رجلا جاءه يخبره عن أجمة في تل فيها ثلاث سباع، فخرج إليها هو وأخوه بهاء الدولة وقوم من صحبه، فوجدوا لبؤة خلفها أسدان، فخرجت اللبؤة، فحمل عليها أخوه فطعنها طعنة قتلها، وتكسر رمحه فيها، ثم خرج أحد الأسدين، فتكاثروا عليه بالرماح حتى قتل، ثم خرج الثاني، وكان أشد وأقسى، وأعظم خلقة، فحملوا عليه، وكلما أصابته طعنة هدر ولوح بذنبه حتى مات.