تلقب أبو الحسن «بسديد الملك»، وعاش عيشة أشبه ما تكون بعيشة «سيف الدولة الحمداني»، شجاع يلذه القتال، وحوله قومه يربون تربية حربية، وفي كل حين قتال، وبين الوقعة والوقعة عيشة بدوية مترفة وحب للشعر وتلذذ لسماعه، يقصده الشعراء أمثال ابن الخياط وابن سنان الخفاجي فيغمرهم بما في يده من مال؛ وتحدث له الحوادث الخفيفة فيقول فيها الأشعار الطريفة على نحو ما كان يفعل سيف الدولة، كان يحب مملوكا له فغشب عليه مرة وضربه ثم قال:
أسطو عليه وقلبي لو تمكن من
كفى غلهما غيظا إلى عنقي
وأستعير إذا عاقبته حنقا
وأين ذل الهوى من عزة الحنق •••
كانت قلعة «شيزر» مطمح المحاربين وما أكثرهم؛ فالعرب من بني كلاب في حلب يريدون الاستيلاء عليها، والإسماعيلية يودون أن يتخذوها مركزا لهم ولدعايتهم، والروم يطمعون في استردادها، والصليبيون يرون أنها باب الشام يريدون أن يمروا منها إليه، كل ذلك والقلعة بحصونها وخنادقها وفيها بنو منقذ بقلوبهم وشجاعتهم وفنونهم الحربية، استطاعت أن نصد كل مهاجم وتخيب كل أمل. •••
كان لا بد للقلعة وحولها كل هؤلاء الأعداء أن يكون برنامج أهلها كله حربيا، وسكانها كلهم جنودا، فالطفل جندي صغير، والشيخ جندي كبير، والبيت مدرسة حربية، والأم إحدى المعلمات والزوجة محرضة الزوج، والفتاة خاطبة الشجاع، ومواقع السيوف في جسوم الرجال شارة المجد، وويل للجسم السليم، لا تقبله فتاة ولا تعتز به زوجة، والحياة رخيصة، يخرج الرجل من بيته وأغلب الظن ألا يعود، ويسير السائر في الطريق وفي أكثر الأحيان يخرج عليه صليبي يقاتله، أو إسماعيلي ينازله، أو كلابي يباغته، وفي ضواحي الحصن كانت أجمات مليئة بالأسود ما أشد ما تفترس، وما أكثر ما تنهش، وفي كل لحظة خبر بقتيل، ونبأ بغزو، وإنذار بغارة، وغارة بلا إنذار، وحديث القوم في سمرهم رواية أعمال الأبطال، كيف قتل رجل من الحصن عشرة، وكيف تغلب رجل على أسدين، وكيف استطاع فلان الصبي أن ينازل صليبيين ويغلبهما ويقتلهما ويأخذ سلبهما، وكيف أن فلانا الشيخ الهرم تقدمت به السن فنصحوه أن يلزم مسجده وينقطع لعبادته، فلبث في ذلك يومين ثم أنفت نفسه هذه الحياة الوادعة فأخذ سيفه وقوسه، ثم خرج يكمن للصليبيين، حتى إذا وقع في يده ثلة منهم خرج عليهم يقاتلهم فيقتل ويأسر، ويعود مباهيا بعمله، معتزا بقوته على كبر سنه، عاتبا على من نصحه بالتزام مسجده؛ وهذه فلانة كانت تخرج للقتال وتضرب بالسيف، وفلانة الأخرى لما هاجم العدو الحصن ألبست فتاتها لباس العرس، وأجلستها على حافة الهضبة من تحتها الوادي العميق، وقالت: إن انتصر الأعداء رميت بابنتي فدق عنقها ولا تقع سبية في أيدي الأعداء؛ و«سبيكة» ألم تسمعوا عنه؟ كان مخنثا بشيزر يحضر الأعراس ويغني ويرقص، ولكن كان إذا وقع القتال يلبس درعا ويأخذ سيفه وترسه ويقول: «بطل التخنث.» ويخرج يضرب بسيفه كما يضرب الناس.
هذا برنامج الحصن وهذا سمره وهذه أحداثه، فلم يكن حصنا، بل مدرسة تمرين على الحروب، وتكوين نفوس على القتال الشديد، وحقلا لأنتاج جيل لا يخشى الموت ويعشق الشهادة، يألف الشجاعة بالممارسة، ويتعلم القتال بالأسوة، ويحذق فنون الحرب في ميادين القتال.
أستغفر الله، فقد نسيت في برنامج هذا الحصن مادة هامة وهي درس الأدب، ولكن كانوا يدرسونه على نمط غريب أيضا، كانوا يقولون لأبنائهم: إن جدكم ربيعة بن مكدم كان بطلا كبيرا، وكان شاعرا كبيرا، ثم يروون أحداثه وشعره، ويلزمونهم حفظه، ثم يذكرون لهم من اشتهر بالفتك في الجاهلية كثابت بن جابر، والبراض وتأبط شرا، ثم من اشتهر في الإسلام كمالك بن الريب، وعبد الله بن سبرة، وعبد الله بن حازم، ويروون لهم فعالهم ويحفظونهم أقوالهم، ويعمدون إلى أقوى الشعر وأبعثه على القتال فيلزمونهم حفظه كقول عامر بن الطفيل: