تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رأيي أن الكلام المباشر في الصداقة لا يقويها، إنما يقويها العمل على مناهجها الحقة من غير حديث فيها.

ورأيي أن خير لذة يستمتع بها الإنسان من شيء أن يتناسى لذته منه ويفنى فيه؛ ألا ترى الشطرنج لو ذكرت دائما أنك تلعبه، وأنك تلذ لعبه لضاعت لذته، وإنما تصل من لذته إلى الغاية إذا أنت نسيت الشطرنج، ونسيت نفسك ونسيت لعبك، وفنيت فيه! وكذلك الأمر في الكتاب تقرؤه، والموضوع تبحثه، والسينما تشهده، والتمثيل تراه.

وعلى هذا القياس أنا أفنى في صداقتي ولا أذكرها، وأرتشفها ولا أتحدث عنها، ولهذا كتبت لك حول الصداقة، لا في الصداقة.

ومع هذا أشكرك على خطابك، فربما دعا إليه داع لم أتبينه، وهو - في رأيي - خطأ خير من صواب، والسلام. (حاشية)

أحلك من نشر كتابك ونشر كتابي إن شئت، مع حفظ اسمي كما وعدت.

الفصل الثامن عشر

| فارس كنانة (1)

كنانة هذه قبيلة قحطانية كثيرة العدد، كانت تسكن عند مجيء الإسلام أرضا فسيحة حول مكة، تمتد من تهامة في الجنوب الغربي من مكة، حيث يجاورون قبيلة هذيل، إلى الشمال الشرقي منها حيث يجاورون قبيلة أسد.

وقد دخلوا الإسلام كما دخل غيرهم، ونبغ منهم نوابغ كثيرون في الحروب وفي الشعر وفي العلم وسائر مناحي الحياة، فمنهم الشداخ بن عوف الذي كان على مجنبة أبي عبيدة بن الجراح يوم «اليرموك»، ومنهم نصر بن سيار أمير خراسان في آخر العهد الأموي، ثم رافع بن الليث بن نصر بن سيار الخارج على الرشيد والقائد الكبير للمأمون، ومنهم أبو الأسود الدؤلي الذي ينسب إليه وضع النحو، ومنهم أبو ذر الغفاري الاشتراكي الصادق الثائر على معاوية وعلى الأغنياء، ومنهم ربيعة بن مكدم الملقب فارس العرب، ومنهم قيس بن ذريح أحد عشاق العرب المشهورين وصاحبته لبنى، ومنهم عزة صاحبة كثير التي قال فيها غزله الرائع المشهور، ومنهم ابن داب الراوية المؤرخ، ومنهم كثير من المحدثين يضيق المقام عن ذكرهم.

وعلى الجملة فقد خلفوا لأعقابهم مفاخر يتداولونها، ومناقب يروونها، من بطولة وفروسية وإمارة وعلم وأدب.

تفرقت كنانة في البلدان بعد الإسلام كما فعلت كل القبائل، فجاء قوم مصر في أواخر العهد الفاطمي، ونزل بعضهم أخميم وما حولها، ونزل بعضهم دمياط وما حولها، ورحل قوم إلى فلسطين، ونزل قوم الشام. •••

في شمالي «حماة» وعلى بعد خمسة عشر ميلا منها حصن يقال له: حصن «شيزر» دخله التحريف على توالي الأيام فصار يسمى الآن «سيجر»، يقع على نهر العاصي، وهو حصن كبير بني على أكمة مرتفعة تتحكم فيما حولها، حفروا حوله الخنادق ليزيدوا في مناعته وحمايته، وأنشئوا مدينة على النهر تتبع الحصن، وسمي كل ذلك «شيزرا»

1 .

كان هذا الحصن مشهورا بمناعته وبخطورة موقعه، كما كان من قديم مركزا لأعمال البطولة في الدفاع عنه والاستيلاء عليه، فالذين يسكنونه لا يعرفون الراحة إلا فترات قصيرة من الزمان، ينتبهون من نومهم على غارة أو صليل سيوف أو رمي بالمنجنيق، ألفوا ذلك كما يألفه الساكنون بجوار بركان ثائر، أو في منطقة زلزال متتابع. •••

في سنة 474ه كان قوم من كنانة يسكنون بجوار حصن «شيزر»، وكان الحصن بيد الروم «البيزنطية»، استولوا عليه فيما استولوا من بلاد المسلمين، وتحكموا به في المواقع التي حوله، وكان رأس هؤلاء القوم من كنانة رجلا شجاعا مقداما قوي النفس كريما، أحبه قومه وأمروه عليهم إمارة ملك محبوب مطاع، هو أبو الحسن علي بن مقلد بن نصير بن منقذ الكناني، فأعد عدته في هدوء، وسلح قومه، وأحكم خططه، وانتهز الفرصة، حتى إذا أمكنته أخذ الروم على غرة، وطوق القلعة؛ ورأى الروم أن لا طاقة لهم به وبقومه، فطلبوا الأمان وسلموه الحصن، وسكنه هو وقومه، وزادوا في تحصينه حتى صار أمنع من عقاب الجو أيام أن لم تكن طائرات.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤١٧