لقد كنت بغير جناح إذا لم يكن جو، فلما كان الجو كان الجناح.
ولا تحسبني بذلك أريد أن أحيا حياة شعرية لا عمل وراءها، أو أن أعيش في حلم خالي لذيذ؛ بل أراني على العكس من ذلك، أريد أن أعمل وفق حبي، لقد أحببت الفكرة لا الشخص، وأحببت المعنى لا المبنى، فشعرت أن كل أرض بلدي، وكل إنسان أخي، وكل باطل عدوي، وكل حق صديقي، وآمنت أن نفسي ليست لي، إنما هي قوة في العالم لها رسالة، ورسالتها إزهاق الباطل، ونصرة الحق، ومحاربة البؤس، والأخذ بيد المظلوم، وكسر الحدود التي تمنع أن يصل ذو الحق إلى حقه؛ فحبي الشائع دفعني إلى العمل الشائع، تجردي من الشخصية حملني على أن أؤيد المعنى أو أن أحارب المعنى، وشعرت بالكل فوهبت حياتي للكل؛ وإذ ذاك أحسست أن قلبي كمجرى الماء الغزير لا يقوى أمامه العود ولا يعوقه القذى، وأحسست أني لا أقوم الأشخاص بعلمهم أو مالهم، ولكني أقومهم بروحهم، فالمثل الأعلى عندي ليس أرسطو ولا قارون ولكنه النبي؛ وأحسست أني أرى في المعاني كالعدل والرحمة والصدق جمالا يجذبني أكثر من جمال الصورة والزهرة، وللظلم والقسوة والرياء قبحا ينفرني أكثر من القردة والمرأة الشوهاء.
قد كنت - وأنا في المدينة - مغيظا من مفاسد الأمة، محنقا من جنون العالم؛ واليوم - وأنا في الريف - قد تحول غيظي رحمة، وحنقي شفقة، فأشفق على الأمة لمصائبها، وعلى الإنسانية لرزاياها؛ وأكثر ما يحملني على الرحمة لها أنها في شقاء وتظنها في سعادة، وفي محنة وتحسبها في نعمة، ورحمتي لم تسلبني رغبتي في العمل كما لم يسلبني الغيظ، ولكن عملي مع الرحمة إنقاذ، ومع الغيظ تأديب.
ما أظلم علماء التربية، يهتمون بتربية العقل والجسم والخلق، ولا يعيرون التفاتا للروح، كأن الإنسان آلة صماء، والخلق الذي يهتمون به هو الخلق التجاري من صدق ونظام واقتصاد، وتربية الروح وراء ذلك؛ فالروح هي الوزن في الشعر، والتناغم في الغناء، والانسجام بين آلات الموسيقى، والعلاقة بين أصابع الفنان وأزرار البيان؛ وشقاء الإنسان في شخصه وفي أمته وفي عالمه من ضعف روحه، واختلال التوازن بين روحه ومادته، وعدم الانسجام بين أجزاء العالم، وعدم وحدتها، وليس يوحدها إلا توحد روحها.
إن ضعف الروح جعل من يحب نفسه يكره غيره، ومن يحب أمته يحارب غيرها، ومن يحب جنسه يحتقر غير جنسه، ولو قويت الروح لعممت حبها ولأحبت المبدأ والمثل، فكان ثم وفاق لا خلاف، وسلم لا حرب. •••
بعد غد عيد ميلادي الحادي والخمسون، وهو أول عيد أقضيه في الريف، ولكني أريد أن أعده عيدي الأول، فقد تشابهت نفسي في الأعوام الماضية، فليست متكررة إلا في حساب العدد، أما نفسي الجديدة فلم تتكرر بعد، شتان بين نفس مقيدة ونفس طليق، بين نفس مستعبدة ونفس مستقلة، بين نفس مقلدة ونفس مجتهدة، ليخيل إلي بعد الرياضة النفسية التي أرتضيها أن لا صلة بين نفسي القديمة ونفسي الجديدة؛ ولذلك سأصر على أن أعد عيدي الآتي هو العيد الأول.
قد كنت في الأعياد الماضية أستقبل الناس، وفي هذا العيد سأستقبل نفسي؛ وقد كنت أضاحك إخواني وأسامر صحبي وأتقبل هداياهم وتهانيهم، وفي هذا العيد سأتناغم مع الأزهار، وسأفتح نفسي ليمتزج بدمي ضوء الشمس، وأحتفل بافتتاح عقلي لتلقي الحقيقة مجردة من خيالات الناس وأوهامهم، وسأشرب نخب الطبيعة وجمالها والحرية ومتعتها، وسأغني للشمس وطلوعها، والشمس وغروبها، والنجوم ولمعانها، والمياه وصفائها، والفراشة وطيرانها، والزهرة وتفتحها، والثمرة ونضجها، حتى أملأ الجو مرحا وغناء، وسأدعو آخر الأمر للإنسانية أن يفك الله أغلالها، ويجنبها شقاءها، ويبعث الحب في قلوبها فيكون هذا أول عيد لي من نوعه.
أخي بل صديقي:
لعلك تعجب أني لم أرد على كلامك في الصداقة برأيي في الصداقة؛ ولكني أعتذر لك، فرأي غير رأيك.