تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك حب المواطن لوطنه وأمته، فيبذل في ذلك ماله وحياته.

وهناك حب الصوفية لله فيفنون فيه، ويشع حبهم له على كل شيء من خلقه حتى يروا الله في الخلق والخلق في الله.

كل شيء في الحياة بارد ما لم يحره الحب، وكل شيء مظلم ما لم يضئه الحب، وكل شيء تافه لا لذة فيه ما لم يشع فيه الحب؛ وصدق من قال: «الحياة الحب، والحب الحياة».

ومقياس حياة الإنسان مقدار حبه، فيوم ينتهي حبه تنتهي حياته.

وما الفرق بين الإنسان والآلة إلا الحب.

كل الناس يحب، ولكن هناك حب أرستقراطي وحب شعبي؛ الأرستقراطية تسمو بالحب، فلا تحب إلا الرفيع من المعاني والسامي من المثل؛ إنها بطبعها تستصفي ما حولها وما يحدث لها وما تلد من أفكارها وما تعتنق من مبادئها فتتعشقه، ثم تحب من يشاكلها في حبها؛ وليست أرستقراطية الحب مولدا ولا مالا ولا جاها؛ ولكنها نزعة يهبها الله لمن يشاء من خلقه، تضيء فتتلقى الوحي من الطبيعة فتحبها، وتخاطبها الطهارة فتجيها، وتنظر إلى كل شيء ولو كان وضيعا، فتولد منه معاني سامية نبيلة تأنس بها، وتقرأ الحقيقة في كل شيء فتجلها.

إن أردت السمو بأحد فخذ بيده ليصل إلى الحب الأرستقراطي، وإن أردت الرقي بأمة فبث هذا الحب فيما بينها وأكثر منه ما استطعت، وهيئ له من الأسباب ما قدرت، حتى يشمه السائح في جوها، كما يرى خصائص الأمة في مناظرها.

أخشى أن أكون قد قاربت الصوفية في نزعتها وشطحها فمعذرة، وكل ما أريد أن أقول: إني أحببت كتابك لحبك في كتابك. •••

أراني هذه الأيام محبا للعزلة، بعد أن كنت - كما تعلم - محبا للاجتماع، ولا أدري السبب، فأنا غارق - في ريفي - في زرقة السماء وخضرة النبات، شاعر بسعادتي في مغازلة الطبيعة وإلاهها، وعداني بستاني فشعرت أن نفسي زهرة من زهرات الله، إنما تتفتح وتنفح إذا أطلقت لها الحرية التامة لتنال حظها من الشمس والهواء؛ وعداني الأفق اللا محدود فأحببت حبا غير محدود، رأيتني أكره الحزب وأحب الأمة، وأكره الوطنية وأحب الإنسانية، وأحب خلق الله لله؛ وعجبت لنفسي وهي في حدود الحضر كيف كانت تجسم الظل ثم تشقى به، وتخلق الهم من العدم وتألم له، فإن شئت السلامة فتحرر من الحدود والقيود؛ ورأيت سبب همي في الحضر التهاب الشعور وطغيان الحياة الشعورية، فأطيل التفكير في نفسي وفيما حولي؛ أما هنا - في الريف - فأنا أسعد حالا، لتبخر كمية كبيرة من شعوري وحلول الحياة اللا شعورية محلها، ولعل ذلك من عدوى ما حولي من بذور ونبات وحيوان وطبيعة، فكأن طفلا يسكن في مرحه وأمله وانسجامه مع جوه، وغروره بقدرته ولا شعوره، ولهذا لا صبر لي على قراءة إلا قراءة الطبيعة، ولا كلام في السياسة إلا سياسة الكون في سره، فإن كان ولا بد فشعر يمازج شعوري، أو آية من القرآن تغذي قلبي؛ ولست أقرأ كما يقرأ الناس، ولكن أكتفي ببيتين أو ثلاثة، وآية أو آيتين فيمتلئ جوي بها، وتتفتح نفسي لها، فلا أزال أرددها الفينة بعد الفينة طول اليوم، وفي كل مرة أشعر لها بطعم جديد ومعنى جديد، وبالأمس كانت آية: ﴿الله نور السماوات والأرض﴾ ملء نفسي وقلبي وترداد لساني؛ واليوم كانت آية: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ محياي وغذائي، وأحيانا - ولا أدري - تدمع عيني من قراءة الآية أو الشعر فأذكر قول ذي الرمة:

لعل انحدار الدمع يعقب راحة

من الوجد أو يشفي شجي البلابل

وأخشى أن تعد هذا مني مظهر ضعف أو آية ألم، ولكني أصدقك أني أقوى بها ما لم أقو بغيرها، وأن الدمعة تغسل عيني فأنظر بها ما لم ينظر الناس، وأشعر أني حي بين موتى، وصاح بين سكارى.

لقد أحسست بعدها أن المدينة بحدودها وقيودها وضغطها كونت عقلي تكوينا فاسدا، وشغلتني بحساب درهم يأتي ودرهم يصرف، ونظرية تقرر ونظرية تهدم، وحكومة تتولى وحكومة تولي، ونظام يوضع ونظام يلغى؛ حتى لقد هزلت نفسي من هذه السفاسف، ومات قلبي من هذه القيود؛ فالآن أريد أن أميت نفسي المقيدة وأخلق نفسي الحرة، وأحطم أبواب سجني وأطير إلى السماء، وأكنس أفكاري القديمة وأتحرر من موضوعاتها، وأضع أسسا جديدة للتفكير فيما يحقق نفسي، وأكسر أصنام الناس لأعبد ما ليس بصنم ولا وثن.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤١٥