تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم أصادقك للأخذ والعطاء، فذاك الكرم لا الصداقة، ولم أصادقك لجلب خير أو دفع ضر، فتلك النجدة لا الألفة، إنما صادقتك لتسكن نفسي إلى نفسك وتأنس نفسي بنفسك؛ فتلك هي الصداقة لا أي شيء آخر، بل لم أصادقك لتسكن إليك نفسي، وإنما سكنت نفسي لصداقتك، وما دامت نفسك نفسك ونفسي نفسي فقد تمت كل عناصر الصداقة بيني وبينك، مهما اختلفت الأعراض والأغراض. لقد أعجبني ما قرأت مرة من أن رجلا سئل: من تحب أن يكون صديقك؟ قال: من يطعمني إذا جعت، ويكسوني إذا عريت، ويحملني إذا كللت، ويغفر لي إذا زللت. فقيل له: يرحمك الله؛ إنما تمنيت وكيلا لا صديقا! أذكرك فتحل روحك في روحي، وتدب الحياة في نفسي، فأروى من ظمأ، وأهتدي من ضلال، وأجد بك ما لا أجد في الغنى بعد الفقر، والعافية بعد المرض، والأمل بعد اليأس.

لقد أعجبني منك أنك لا تشيد بذكر الصداقة، فاسمح لي أن أشيد بذكرها، وأعجبني منك أن من رآنا لا يشعر بما بيننا، وأعجبني منك أنك على عكس الناس يقبلون مع النعمة ويدبرون مع النقمة؛ وأعجبني منك أنك لم تجعل الصداقة في ميزان تزنها كل يوم بما يزيدها أو ينقصها، ولكنك وزنتها مرة واحدة بميزان الذهب، فلما اطمأننت لميزانك وثقت كل الثقة، فلم تعرضها للوزن مرة أخرى؛ وأعجبني منك أن عينك لا لسانك دليل ما في قلبك؛ وأعجبني منك أنك ترى الواجب عليك ولا ترى الحق لك، وأنك تعتقد أنك غابن دائما ولا تعتقد أنك مغبون يوما، وأعجب ما أرى فيك أنك تنطق بما أتمنى أن أنطق به، وتريد ما اعتزمت أن أريده، ويجول في نفسك ما يجول في نفسي، حتى ليخيل إلي أنك تحلم بما أحلم.

ومن أطرف ما فيك كرهك الدعاية لنفسك ولغيرك، فلم يعرف فضلك في خلقك وعلمك إلا خاصتك، تعمل كثيرا ولا تتكلم عما تعمل أبدا، وتقدر الدعاية تقديرا عكسيا، فكلما دعي لشخص أو دعا لنفسه حسبت ذلك في ميزانه «بالناقص»؛ وكثيرا ما سمعتك تتمثل بقول الله تعالى:

فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ، وقلت لي مرة: «إن أرفع المتجادلين صوتا أضعفهم حجة، وأشد الناس تبجحا بالشجاعة أشدهم خوفا، وأكثر المدرسين تهديدا لطلبته أقلهم كفاية، وأقل الناس شعورا بكفايته ونزاهته أكثرهم دعاية؛ كل أولئك ليكملوا «مركب النقص» في نفوسهم، ويستروا ضعف باطنهم بقوة ظاهرهم».

أخي بل صديقي:

من أجل هذا ترددت كثيرا في أن أبعث إليك كتابي هذا؛ لأن أكره ما تكره المديح، ولكني أصدقك أني كتبته لنفسي لا لك، فقد كانت كتابته فرحة العيد عندي، وشعرت بعد كتابته بفرح الحريص لعقد شراء ضيعة كبيرة لم يكن سجل؛ فإن آلمك مديحي فلتسعدك غبطتي.

حفظك الله لي، فأنت غذاء روحي، وسراج حياتي، وأعاد عليك العيد باليمن والسعادة. (حاشية)

هل تسمح لي أن أنشر هذا الكتاب بعد حفظ اسمك؟

الفصل السابع عشر

| رد الصديق

أرسل إلي صديقي ... ردا على «تحية العيد» فقال:

صديقي:

سرني خطابك، وكان فرحة العيد عندي كما كان فرحة العيد عندك، لم أسر لمدحي، فأنا أعلم من عيوب نفسي ما لم تعلم؛ ولكنها الصداقة ترى كل شيء من الصديق حسنا، إنما سرني أن كتابك يشع منه الحب، وأنت تعلم أني لا أقدر شيئا في الوجود تقديري للحب.

لشد ما يخطئ الناس فيقصرون الحب على حب الجنس، ويفوتهم أن وراء هذا أنواعا من الحب يخطئها العد.

هناك حب العامل عمله وفناؤه فيه، وهو سر نجاحه، وفقدانه سر فشله.

وهناك حب العالم علمه، وقد رأيت ورأيت علماء لا يلذهم شيء في الحياة إلا بحثهم وكتبهم، يفضلون ذلك على كل متعة من متع الحياة من ملك ومال وجاه، ويوم يظفر بنتيجة لبحثه فذلك يعدل عنده الدنيا وما فيها؛ وقد قرأت وقرأت أمثلة لذلك عديدة من علماء الشرق والغرب.

وهناك حب الفضيلة وكره الرذيلة، وكلما ازداد هذا عند إنسان كان أقرب إلى الخير وأبعد عن الشر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤١٤