تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كنت أستكثر ما يروى من أن عبد الحميد الكاتب طلب ليقتل - في الثورة العباسية - وكان صديقا لابن المقفع، ففاجأهما الطلب وهما في بيت واحد، فسأل: أيكما عبد الحميد؟ فقال كل منهما: «أنا» خوفا من أن ينال صديقه مكروه؛ وخاف عبد الحميد أن يسرعوا إلى «ابن المقفع»، فقال: إن لي علامات أعرف بها ويعرفها من بعثكم في طلبي؛ وما زال يقيم الحجج ليدفع الأذى عن صديقه حتى أخذ وقتل. وكنت أستبعد ما يروى أن هذيلا أصابت دما في بعض العرب، فأسر أصحاب الدم رجلين من هذيل متصادقين، فقالوا لهما: أيكما أشرف فنقتله بصاحبنا؟ فقال كل واحد منهما: أنا ابن فلان الحسيب النسيب، فاقتلوني دون صاحبي؛ فكل بذل نفسه للقتل دون صاحبه، فلما عيوا بأمرهما صفحوا عنهما، وقالوا: «هذا التصافي لا تصافي المحلب.»

1 .

فلما صادفتك صدقت القصتين، وآمنت أن فقد النفس أهون من فقد الصديق.

إن الحياة فراغ لولا أن تملأها صداقتك، وهي ظلمة حالكة لولا أن تنيرها مودتك.

لسنا صديقين لمنفعة أرجوها منك أو ترجوها مني، وإنما أصادقك؛ لأنك أنت أنت، وما دمت أنت فأنا صديقك.

إن الصداقة ميزتك عن غيرك من كل ما في العالم، فكلما كنت نفسك كنت أقرب إليك وكنت أقرب إلى قلبي.

لقد بحثت نفسي في النفوس حولها، فلما وجدتك عرفتك وعرفت أنك مرآة لها، صورتك صورتها، ومزاجك مزاجها، وطبيعتك طبيعتها؛ فكأني وإياك روح في جسمين، أو حقيقة في شكلين.

صادقتك فاستصغرت متاعي، وهزئت بهمومي، وظهر خير ما في نفسي، ودبت القوة في إرادتي، وشعرت بالحرارة في همتي؛ فماذا كنت أكون لو لم تكن؟

إن حزب أمر فذكرك يحله، أو ضعف العزم فصورتك تقويه، أو أظلم الجو فصداقتك تنيره، أو خيم البؤس فاستحضارك يكشفه.

قد ساء ظني بالناس، وأنكرت المروءة والإخلاص والوفاء، وظننت أنها ألفاظ وضعت لأوهام، واللغة لم تتحرر من أن تضع أسماء للموجود والمعدوم، والجائز والمستحيل، والشيء واللا شيء؛ فلما عرفتك آمنت بك وبالناس وبالألفاظ ودلالتها على معانيها.

ثم كنت غريبا بين أهلي وولدي، فإذا أنا بك حاضر في غربتي، مؤتنس في وحشتي؛ لأنك في قلبي، وقلبي معي، ما أظن أنه يفارقني ولا بالموت.

لم أصادقك إلا بعد أن عرفتك كما عرفت نفسي؛ فمن عابك سقط من عيني، ومن انتقصك فإنما ينتقص نفسه؛ فأذني صماء إلا عن مديحك، وقلبي لا يتفتح إلا عند الثناء عليك، وصداقتنا كآنية الذهب ليس يمكن كسرها.

تصادق الناس للمنفعة، فلما زالت المنفعة زالت الصداقة، وتصادق الناس لعواطفهم، فكانت الصداقة تشب وتخمد، وتتعرض للهجر والعتاب، والقطيعة والوصال؛ ولكنا تصادقنا بعد أن رفعنا المنفعة فيما بيننا، وتصادقنا بقلبنا وعقلنا، فسمونا عن التقلب وعن العتاب، ولم أشعر بحاجتي في صداقتك إلى تكلف أو مراء أو تقاليد ومواضعات، فكلها إقرار بالضعف، ومحاذرة من الانفصام، وطعن في الوحدة.

قد كنت أنزل قبلك في مسبعة ضريت وحوشها واحتدت أنيابها، فاليوم نزلت بك في جنة نعيم، آمنتني صداقتك من خوف، وطمأنتني من روع، وفتحت لي أبوابا من اللذة والسعادة يعجز عنها اللفظ، ولا يحدها وصف، حسبي أن أذكرك فأشعر بشفاء للصدر، وبرد من حرقة، وطرد للهم، وأنس من وحشة، ومبعث للرجاء، وتفتح للأمل.

لقد كرهت الرق في كل شيء، كرهت رق الحيوان وحبسه، وكرهت رق الإنسان للإنسان، والرجل للمرأة، والمرأة للرجل؛ وكرهت رق الأمم للأمم، وكرهت استرقاق أصحاب رءوس الأموال للعمال، والملاك للمزارعين، واستعباد المال للإنسان، واستعباد الشهوات للناس؛ فلما وصلت إلى صداقتك رضيت برقي لك عن رضا واختيار؛ لأن في رقي لك رقك لي، وما أجزله من مغنم.

كم شهدت قبلك صداقات، وفي كل صداقة كنت أشعر بلذة ممزوجة بألم، وأمن مشوب بخوف؛ كنت أخاف تحولي أو تحول الصديق، وأخاف أن تتدخل المادة في الصداقة فتفسدها، وأخاف من الصديق يرى منفعته في العداوة فيفتح صدره لها، أو تحمله الغيرة على بيع الصداقة فيبيعها؛ ويزداد شعوري بالخوف والألم كلما رأيت صداقات ما كان يمكن أن تنهار فتنهار، وإخاء كنت أظنه يدوم فلا يدوم؛ ثم صادقتك فلم أشعر بهذا الألم وهذا الخوف، بل شعرت بلذة خالصة وأمن صاف؛ لأني وجدت فيك نفسي، فإن لم أشك في نفسي لم أشك فيك، وإن وثقت بقلبي وعقلي وثقت بقلبك وعقلك، ويوم يعرض لصداقتنا عارض بسيط أقضي عليه في لمحة بقلبي أو عقلي، أو تقضي عليه سريعا بقلبك أو عقلك؛ ثم كيف يعرض العارض ولم نتصادق لمنفعة، ولم نتحاب لشهوة؟ وإنما كنا روحين تعارفا فتآلفا فتوحدا، وصدق أرسطو؛ إذ سئل عن الصديق فقال: «هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤١٣