تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأبى أن يضعف نفسه بالغزل والخمر فإنهما يحولان دون المجد:

تمرست بالآفات حتى تركتها

تقول: أمات الموت أم ذعر الذعر؟

ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها

فمفترق جاران دارهما العمر

ولا تحسبن المجد زقا وقينة

فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتركك في الدنيا دويا كأنما

تداول سمع المرء أنمله العشر

وهو قوي في هجائه، فهو إذا رمى أصمى، وإذا مس أدمى، يطوق من يناله الذم، ويقلده الخزي ويلزمه عارا لا تمحوه الأيام.

وهو قوي في دعوته للناس أن يثوروا ويؤسسوا مملكتهم على حد السيف:

أعلى الممالك ما يبنى على الأسل

والطعن عند محبيهن كالقبل

وما تقر سيوف في ممالكها

حتى تقلقل دهرا قبل في القلل

6

وهو قوي في احتقار الناس؛ إذ لم تعل همتهم كهمته، ولم يرتفعوا عن السفاسف رفعته:

إذا ما الناس جربهم لبيب

فإني قد أكلتهم وذاقا

فلم أر ودهم إلا خداعا

ولم أر دينهم إلا نفاقا

كل شيء في سبيل المجد لذيذ محبب إليه؛ فالقتل والموت والعذاب وقطع الفيافي عذب المذاق:

فموتي في الوغى عيش؛ لأني

رأيت العيش في أرب النفوس •••

سبحان خالق نفسي كيف لذتها

فيما النفوس تراه غاية الألم •••

وهان فما أبالي بالرزايا

لأني ما انتفعت بأن أبالي

وأخيرا ترى القوة تشيع في جوانب أساليبه وقوافيه، فإذا اشترك المتنبي وغيره من الشعراء في معنى من المعاني رأيت أبيات المتنبي غالبا أرصن أسلوبا وأجزل لفظا وأقوى قافية وأمتن تركيبا؛ لأنه يسبغ عليها من قوته ويزيد في شدتها من شدته وحدته؛ حتى لقد يقول المألوف والفكر الشائع الذي توارد عليه الشعراء في كل العصور فيخلع عليه بعض نفسه، ولونا من حسه، فكأنما هو جديد وكأنه لم يسبق إليه.

لعل موضع الضعف عنده أنه أنفق حياته في مدح الولاة والأمراء والملوك يصوغ الثناء لهم، وينظم عقود المدح فيهم، ويجهد عقله وخياله في اختراع معاني الكرم والبأس ونسبتها إليهم، ويرحل من بلد إلى بلد طلبا لعطاياهم، ويقف على أبوابهم انتظارا لمنحهم، ويتربص الفرص للقول فيهم، فإذا أقبل العيد هنأهم، وإذا مرضوا عوذهم، وإذا انتصروا في حرب شاد بفعالهم، وإذا انهزموا لطف من هزيمتهم، وإذا مات لهم ميت عزاهم، وإذا ولد لهم مولود بادر بتهنئتهم، وذلك ما لا يتفق كثيرا ونفسه الكبيرة وهمته العالية التي يتحدث عنها؛ لو أنه ترفع عن هذا كله وقنع بأن يتغنى بشعره في وصف شعوره لواءم بين نفسه وشعره، ولكنه - على ما يظهر - لم يشأ عيشة الزهد، وإنما شاء عيشة الرفعة والشهرة بالملك أو بالولاية فرأى أن أن يتصل بالملوك للاستفادة منهم، والاستعانة على تحقيق غرضه بهم وبمنحهم وبإيجاد الصلة بينه وبينهم، ولكنه من حين لآخر يشعر بلذعة في أعماق نفسه من هذا الموقف فيفلسف التهنئة ويقول:

إنما التهنئات للأكفاء

ولمن يدني من البعداء

وأنا منك، لا يهنئ عضو

بالمسرات سائر الأعضاء

ثم هو لا يتنزل إلى مدح غير العظماء، وإذا أنشد شعره أنشده في علو وكبرياء، فإذا لم يتحقق غرضه أو أحس بتيه ممدوحه عليه ثار ثورة من جرحت عزته ونيل من كبريائه، وكأنما تجلت له الحقيقة وهي صعوبة الجمع بين نفس تمتلئ عزة وشاعر يقف شعره على المديح؛ وهكذا كلما جذبته شئون الحياة إلى الضعة والضعف أبت عليه نفسه، وحولته من ضعف إلى قوة ومن ضعة إلى رفعة:

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن

يسيء بي فيه عبد وهو محمود •••

ويلمها خطة ويلم قابلها

لمثلها خلق المهرية القود

وعندها لذ طعم الموت شاربه

إن المنية عند الذل قنديد

7

وبذلك فلسف الحياة كلها فلسفة قوة كما فلسف أبو العتاهية الحياة فلسفة زهد، فويل للضعيف، وويل للجبان، وويل لمن يخاف الحوادث، وويل لمن يهاب الموت:

ولا قضى حاجته طالب

فؤاده يخفق من رعبه

الفصل السادس عشر

| تحية العيد

إلى صديقي ...

وأحب إلي أن أناديك بصديقي من أن أناديك «بأخي» أو «حبيبي»، أو أي لفظ آخر في هذا الباب؛ فالأخ لا وزن له ما لم يكن أخا صديقا، والنفس بالصديق آنس منها بالعشيق، وقد أنصف العرب؛ إذ اشتقوه من الصدق، فأي شيء أجمل من الصدق في «الصداقة»؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤١٢