تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 •••

ردي حياض الردى يا نفس واتركي

حياض خوض الردى للشاء والنعم

إن لم أذرك على الأرماح سائلة

فلا دعيت ابن أم المجد والكرم

أيملك الملك - والأسياف ظامئة

والطير جائعة - لحم على وضم؟

من لو رآني ماء مات من ظمأ

ولو عرضت له في النوم لم ينم

ميعاد كل رقيق الشفرتين غدا

ومن عصى من ملوك العرب والعجم

4

فإن أجابوا فما قصدي بها لهم

وإن تولوا فما أرضى لها بهم

5

ثم رأى أن الزمان لا يسعفه إلى ما طلب ولا يعينه على ما أمل، فرحل إلى مصر وطلب من كافور أن ينيله ولاية فأغدق عليه ذهبا فقال:

وما رغبتي في عسجد أستفيده

ولكنها في مفخر أستجده

وقال:

فارم بي ما أردت مني فإني

أسد القلب آدمي الرواء

وفؤادي من الملوك وإن كا

ن لساني يرى من الشعراء

ثم صرح بعد الكناية فقال:

إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية

فجودك يكسوني وشغلك يسلب

حتى ولا هذه استطاع أن ينالها، وصدمته الحقيقة فاعترف بأنه «يود من الأيام ما لا توده»، وقد كان في صباه يقول:

ولو برز الزمان إلي شخصا

لخضب شعر مفرقه حسامي

وما بلغت مشيئتها الليالي

ولا سارت وفي يدها زمامي

إذا امتلأت عيون الخيل مني

فويل في التيقظ والمنام

عذبته الدنيا فجعلت نفسه نفس ملك، وهمته همة ملك، وشعره ملك الشعر أو على الأقل فيما يعتقد هو، ثم جعلته فقيرا لا يملك من الدنيا شيئا، ولا يرث من آبائه مالا ولا ملكا ولا جاها، وكان يأمل في صباه أن تتحقق نبوته، فالنبوة لا تحتاج إلى مال، فلما يئس طلب الملك، والملك يحتاج إلى مال، فطلبه بشعره ولكن لم تذل نفسه كما ذلت الشعراء، فكان يرى أنه يعطي لممدوحيه أكثر مما يأخذ منهم، فهو يمنحهم شعرا خالدا وهم يمنحونه عرضا زائلا، وكان يتجلى ذلك في عتابه أو هجائه يوم يعتب على ممدوحه أو يهجوه.

فتبا لهذا الزمان الذي وضعه هذا الوضع، منحه طموح الملوك ولم يجعله ملكا، وحرمه المال ولم يحرمه النفس، فلم يوائم بين نفسه وحاله يرى أن الناس لو عقلوا لثاروا ولم يرضوا على ما هم فيه من بؤس وشقاء ولملكوا عليهم خيارهم - ولعله يعني نفسه - ولكنهم خاضعون مستسلمون يقيمون على الذل ولا يأنفون من عار.

أما في هذه الدنيا كريم

تزول به عن القلب الهموم

أما في هذه الدنيا مكان

يسر بأهله الجار المقيم

تشابهت البهائم والعبدى

علينا، والموالي والصميم

وما أدرى أذا داء حديث

أصاب الناس، أم داء قديم؟

اعتداد بالنفس لا حد له، وطموح ليس بعده طوح، ونقمة على الزمان؛ لأنه لم يسعفه، ونقمة على الناس؛ لأنهم لم يحققوا أمله - هذا كله روح فلسفة المتنبي - وكل ما قاله من حكم وكل ما شرحه من حالة نفسية فهو صدى لهذا الوضع، وترجمة لهذه الأحداث، وتعبير عن شعوره بها.

أوضح ما تنتجه هذه الحال في نفس كنفس المتنبي «فلسفة القوة» وكذلك كان، فالمتنبي قوي في الحملة على الناس وعلى الزمان، تتجلى القوة في كل أقواله وفي جميع حالاته، وهذه القوة أكثر ما تكون في سنيه الأولى أيام كان يتنقل في البلاد ويدبر خطته ليحقق أمله، وقد ظل على هذه الحال إلى أن بلغ الرابعة والثلاثين؛ ثم ضعفت بعض الشيء يوم اتصل بسيف الدولة يتبعه حيثما كان ويمدحه في الحل والترحال، وأثر في نفسه فشله عنده فرحل إلى مصر وبها كافور، وشتان بين سيف الدولة في عربيته وفروسيته وكافور في عجمته وعبوديته، ولكنه الزمان الغادر رماه بأقسى ما لديه حتى جعله مادحا كافورا، فهو في مدحه يغالب نفسه ويلعب في كثير من المواقف بالألفاظ ليصوغ مدحا يشبه الذم، فإذا تحرر من ذلك وأخذ في هجائه عادت إليه قوته وكأنه استرد حريته، فهو قوي في نفسه لا يهاب الدهر ولا يكترث لأحداثه:

إن ترمني نكبات الدهر عن كثب

ترم امرءا غير رعديد ولا نكس

وهو قوي في احتقاره اللذات الوضيعة وطموحه إلى أعلى غايات المجد:

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤١١