ودليلنا على ذلك أن أبا الطيب - فيما نعلم - لم يثقف ثقافة فلسفية إنما تثقف ثقافة عربية خالصة، قرأ بعض دواوين الشعراء ولقي كثيرا من علماء الأدب واللغة كالزجاج وابن السراج والأخفش وابن دريد، وكل هؤلاء لا شأن لهم بالفلسفة ومناحيها.
وما لنا ولهذا كله، فإننا لو رجعنا إلى حكمه لوجدناها منطبقة تمام الانطباق على محيطه ونفسه، ليس فيها أثر من تقليد ولا شية من تصنع، فهو ينظم ما يجول في نفسه وما دلته عليه تجاربه لا ما نقل إليه من حكم غيره إلا في القليل النادر.
ونحن إذا أردنا أن نجمل نفسه ومحيطه قلنا: إنه بدأ حياته حياة فتوة وفروسية، تعرفه الخيل والليل والبيداء، ويحب الحرب والنزال، ويشتهي الطعن والقتال، قيل له وهو في المكتب: ما أحسن وفرتك؟ فقال:
لا تحسن الوفرة حتى ترى
منشورة الضفرين يوم القتال
على فتى معتقل صعدة
يعلها من كل وافي السبال
1
كما نشأ طموحا إلى أقصى حد في الطموح، يعتد بنفسه كل الاعتداد، ولا يرى له في الوجود ندا ولا مثيلا، قال في صباه:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه
فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
يقول: إن قومه من خير العرب بيتا، ومع هذا يجب أن يعتز قومه به لا أن يعتز هو بقومه وبيته:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضا
د وعوذ الجاني وغوث الطريد
إلى جانب هذا الاعتزاز بالنفس استصغار للناس ونفوسهم وشئونهم:
ودهر ناسه ناس صغار
وإن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم
ولكن معدن الذهب الرغام
امتلأت نفسه بهذه العقيدة حتى في صباه، فوضع لنفسه هذا المنطق الساذج البسيط: «إذا كنت خير الناس فلم لا أكون نبيهم أو على الأقل ملكهم» فبدأ ينفذ برنامجه في سهولة ويسر ظانا - وهو فتى غرير - أن الدنيا تحكم بمثل هذا المنطق البسيط، ولم يعلم بعد أن منطق الدنيا أعقد من منطقه، نعم إنه سيلاقي في هذا شدادا وصعابا، ولكن لا بأس فهو مسلح بكل ما يحتاج إليه ذلك من سلاح:
أي محل أرتقي؟
أي عظيم أتقي؟
وكل ما خلق الله
وما لم يخلق
محتقر في همتي
كشعرة في مفرقي
ولكن حوادث الدهر علمته شيئا فشيئا أن الزمان أكبر من همته، وأنه لا يكفي أن يكون خير الناس في زعمه ليكون نبي الناس أو ملك الناس، ومن أجل هذا تدرجت مطامحه وأخذت في النقصان؛ فقد بدأ يطلب النبوة، فلما فشل فيها بدأ يطلب الملك، فلما فشل فيه بدأ يطلب ولاية أو إقليما في مصر ففشل في ذلك أيضا، فأخذ يعتب على الزمان ويذمه ويلعنه.
بدأ النبوة فقال:
ما مقامي بأرض نخلة إلا
كمقام «المسيح» بين اليهود
أنا ترب الندى ورب القوافي
وسمام العدى وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها الله
غريب «كصالح» في ثمود
ثم صدمه الزمان بالأسر والحبس فعدل عن النبوة إلى طلب الملك، فأخذ في شعره يحقر ملوك زمانه ويقيسهم بنفسه فلا يرى لهم فضلا عليه، وله عليهم كل الفضل، ويضع خطة أن العرب يجب أن يحكمها العرب لا العجم فيقول:
وإنما الناس بالملوك وما
تفلح عرب ملوكها عجم
ويقول:
سادات كل أناس من نفوسهم
وسادة المسلمين الأعبد القزم
إذن يجب أن يكون الملوك من العرب، وإذن فليكن هو ملكا، وقد طوف بالبلاد يتلمس السبيل لتحقيق مأربه ونيل مطلبه، ويقول في ذلك تلميحا لا تصريحا:
يقولون لي ما أنت في كل بلدة
وما تبتغي؟ ما أبتغى جل أن يسمى
إذا قل عزمي عن مدى خوف بعده
فأبعد شيء ممكن لم يجد عزما
وإني لمن قوم كأن نفوسهم
بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
وقد حلم أن سيكون له جيش كبير يقوده بنفسه فيجوب البلاد ويفتح الأمصار ويخلع الملوك ويستولي على عروشهم فيقول:
سيصحب النصل مني مثل مضربه
وينجلي خبري من صمة الصمم
2
لقد تصبرت حتى لات مصطبر
فالآن أقحم حتى لات مقتحم
لأتركن وجوه الخيل ساهمة
والحرب أقوم من ساق على قدم
والطعن يحرقها والزجر يقلقه
حتى كأن بها ضربا من اللمم