وظل المتنبي يتعاظم في شعره، ويعرض بغيره من الشعراء، ويقول لسيف الدولة:
إن هذا الشعر في الشعر ملك
سار فهو الشمس والدنيا فلك
عدل الرحمن فيه بيننا
فقضى باللفظ لي والحمد لك
فإذا صار بأذني حاسد
صار ممن كان حيا فهلك
وشاء القدر أن يكون آخر شعر في سيف الدولة من هذا القبيل وعلى هذه النغمة وهو:
لا تطلبن كريما بعد رؤيته
إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعره
قد أفسد القول حتى أحمد الصمم
وظلت السعايات تعمل، فابن خالويه وغيره يلح في الإيقاع بالمتنبي، والمتنبي يمعن في تعاليه حتى فاض الإناء، فمل سيف الدولة كثرة القول في المتنبي، ومل المتنبي كثرة الغضب والعتاب، فتلاقت رغبة المتنبي في الخروج من حلب برغبة سيف الدولة في الراحة مما ينظر ويسمع، فرحل المتنبي إلى مصر، وأسدل الستار عن فصل من رواية المتنبي، وإن كانت الرواية لم تتم فصولا.
وفي الحق أن الزمان أخطأ فوضع المتنبي في غير موضعه؛ أعطاه نفس ملك ولسان شاعر، ووقفه بدف على أبواب الأمراء يمدحهم، وهو إذ يمدحهم يرى منزلته - حقا أو باطلا - فوق منزلتهم؛ فكان شأنه شأن كثير من الناس لا تتلاءم نفسيتهم ومنصبهم، نفس رئيس ومنصب مرءوس، أو نفس حرب ونضال ومنصب ذلة وهوان؛ وهذان العنصران إذا اجتمعا سببا شقاء صاحبهما؛ لذلك كانت نفس المتنبي ثائرة دائما، ومن يدري؟ لعل ما منحنا من شعر جزل جميل كان نتيجة هذا العناء، ولو تلاءم منصبه ونفسه لأخلد إلى الراحة؛ فكم كان الشقاء والبؤس والفقر والاضطهاد والعذاب نعمة على الإنسانية بما أخرجت من شعور نبيل وفن جميل.
وبعد؛ فمع هذا كله لم يجد المتنبي عوضا عن سيف الدولة في علو شأنه وكرمه وعربيته وذوقه وفروسيته؛ وخرج ينشد الملك في مصر وغير مصر فلم ينل ملكا ولم يجد ممدوحا ينطقه بالمعاني كما أنطقه سيف الدولة، وعرض في أول أمره بمصر بسيف الدولة، ولكنه أدرك الحقيقة المرة بعد، فتاب وأناب وندم على ما كان، وحن إلى سيف الدولة وحن سيف الدولة إليه، فيقول من قصيدة في غير ديوانه:
عثرت بسيري نحو مصر فلالعا
بها ولعا بالسير عنها ولا عثرا
وفارقت خير الناس قاصد شرهم
وأكرمهم طرا لألأمهم طرا
فعاقبني المخصي بالغدر جازيا
لأن رحيلي كان عن حلب غدرا
وما كنت إلا قائل الرأي لم أعن
بحزم ولا استصحبت في وجهتي حجرا
لقد كان المتنبي حين فارق سيف الدولة يعتقد أنه غدر به فيقول:
حببتك قلبي قبل حبك من نأى
وقد كان غدارا فكن أنت وافيا
ولكن مرور الزمان، وتكشف الحوادث وخيبة الأمل في غيره جعلته يرى غير رأيه الأول، وأن المتنبي لا سيف الدول كان هو الغادر؛ إذ يقول: «لأن رحيلي كان عن حلب غدرا».
وحن سيف الدولة إلى المتنبي، فبعث إليه ابنه من حلب إلى الكوفة، بعد أن خرج من مصر، وبعث إليه مع ابنه هدية، فكتب إليه المتنبي قصيدته التي يقول فيها:
ليس إلاك يا علي همام
سيفه دون عرضه مسلول •••
أنت طول الحياة للروم غاز
فمتى الوعد أن يكون القفول •••
ما الذي عنده تدار المنايا
كالذي عنده تدار الشمول •••
من عبيدي إن عشت لي ألف كافو
ر ولي من نداك ريف ونيل
ما أبالي إذا اتقتك الليالي
من دهته حبولها والخبول
ثم بعث إليه سيف الدولة كتابا بخطه يسأله المسير إليه فاعتذر بالوشايات،
وما عاقني غير خوف الوشاة
وإن الوشايات طرق الكذب
كان ذلك في سنة 353، ولم تطل مدة المتنبي بعد، فقد قتل في السنة التي تليها، وهي سنة 354، كلاهما يحمل نفسا حبيبا إلى صاحبه.
الفصل الخامس عشر
| فلسفة القوة في شعر المتنبي
يخطئ من يظن أن أبا الطيب عمد إلى ما أثر من الحكم عن أفلاطون وأرسطو وأبيقور وأمثالهم من فلاسفة اليونان فأخذها ونظمها، ولم يكن له في ذلك إلا أن حول النثر شعرا، كما رأى ذلك من تتبعوا سرقات المتنبي وأفرطوا في اتهامه، فأخذوا يبحثون في كل حكمة نطق بها ويردونها إلى قائلها من هؤلاء الفلاسفة، فلسنا نرى هذا الرأي، فإن كان قد وصل إلى أبي الطيب قليل من حكم اليونان فإن أكثر حكمه منبعها نفسه وتجاربه وإلهامه، لا الفلسفة اليونانية وحكمها؛ ذلك لأن الحكم ليست وقفا على الفلاسفة ولا على من تبحروا في العلوم والمعارف ، إنما هي قدر مشاع بين الناس يستطيعها العامة كما يستطيعها الخاصة، ونحن نرى فيما بيننا أن بعض العامة ومن لم يأخذوا بحظ من علم قد يستطيعون من ضرب الأمثال والنطق بالحكم الصائبة ما لا يستطيعه الفيلسوف والعالم المتبحر، وهذا الذي بين أيدينا من أمثال إنما هو من نتاج عامة الشعب أكثر مما هو من نتاج الفلاسفة، وكلنا رأى بعض عجائز النساء ممن لم تقرأ في كتاب أو تخط بيمينها حرفا تنطق بالحكمة تلو الحكمة، فيقف أمامها الفيلسوف حائرا دهشا يعجز عن مثلها ويحار في تفسيرها، ومرجع ذلك إلى ينبوعين وهما التجربة والإلهام، فإذا اجتمعا في امرئ تفجرت منه الحكمة ولو لم يتعلم ويتفلسف، فكيف إذا اجتمعا لامرئ كأبي الطيب ملئ قلبه شعورا وملئت حياته تجارب، وكان أمير البيان وملك الفصاحة؟ فنحن إذا التمسنا له مثالا في حكمه فلسنا نجده في أفلاطون وأرسطو وأبيقور، وإنما نجده في زهير بن أبي سلمى وقد نطق في الجاهلية بالحكم الرائعة مما دلته عليه تجاربه وأوحى إليها إلهامه، كما نجده في شعر أبي العتاهية وقد ملأ عالمه حكما وأمثالا خالدة على الدهر، وكل ما بين أبي الطيب وهؤلاء الحكماء من فروق يرجع إلى أشياء: المحيط الذي يحيط بكل شاعر، وقدرة نفس الشاعر على تشرب محيطه، والقدرة البيانية على أداء مشاعره، لقد ألم زهير من الحرب ورأى ويلاتها فشعر فيها ونطق بالحكم الرائعة يصف شرورها ومصائبها، وفشل أبو العتاهية في الحياة فزهد وملك الزهد عليه نفسه فملأ به ديوانه، وكان لأبى الطيب موقف غير هذين فاختلفت حكمه عنهما وإن نبعت من منبعهما.