فنهض مغضبا، واعتزم ألا يمدحه أبدا!
وأبو فراس يقول لسيف الدولة: «إن هذا المتشدق كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار على ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعرا يأتون بما هو خير من شعره.».
ويأخذ دائما المسالك على المتنبي، فإذا قال بيتا جميلا، قال أبو فراس: إنك سرقته من قول بشار، أو من قول دعبل.
ويتجادل المتنبي وابن خالويه في مسألة لغوية، فيغضب ابن خالويه (وهو أستاذ سيف الدولة) فيخرج من كمه مفتاحا حديدا ليلكم به المتنبي.
وهكذا كان بلاط سيف الدولة حربا علنية وخفية على المتنبي، ولم يخلص للمتنبي من حول سيف الدولة من الشعراء إلا أبو الفرج الببغاء، فقد كان المتنبي يأنس به ويبثه شكواه من سيف الدولة وممن حوله، ويأتمنه على سره؛ وقد ساعدت طباع أبي الطيب على نجاح هذه الدسائس، فهو يتعاظم فيغضب الشعراء، بل ويتعاظم فيغضب الأمير، وهو دائم الإعلان عن نفسه والفخر بها؛ ويجفو سيف الدولة فيجفو المتنبي، ويتكلم سيف الدولة فيجيبه المتنبي، وتأتي المناسبات ليقول الشعراء وينتظر سيف الدولة من المتنبي أن يقول فلا يقول، والمتنبي حائر النفس بين المجد والمال، يجفو مجدا، فلا يمعن في الجفاء مالا، ويصد لأنفته، ويخضع لطمعه، وهي حال تربك النفس وتعقد الحياة.
هذا كله قد سجله المتنبي أيضا في شعره في سيف الدولة، فمن السنة الثانية لاتصاله بسيف الدولة يذكر الحسد ويذم الناس ويقول:
فأبلغ حاسدي عليك أني
كبا برق يحاول بي لحاقا
وهل تغني الرسائل في عدو
إذا ما لم يكن ظبي رقاقا
إذا ما الناس جربهم لبيب
فإني قد أكلتهم وذاقا
فلم أر ودهم إلا خداعا
ولم أر دينهم إلا نفاقا
ويتمنى لو تعطي الملوك على أقدار الناس، فلم يكن ينال الخسيس شيئا:
ليت الملوك على الأقدار معطية
فلم يكن لدنيء عندها طمع
ولعل أوضح ما يدل على هذه الحال قصيدته التي مطلعها:
وا حر قلباه ممن قلبه شبم
ومن بجسمي وحالي عنده سقم
فهي تصور هياج نفسه أشد هياج، فهو لا يعبأ بسيف الدولة إلا مداراة، ولا يعبأ بمن حوله من الناس ومن الشعراء، ويمدح سيف الدولة ليمدح نفسه، ويعرض بأبي فراس وغيره من الشعراء:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة
أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من تسعى به قدم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم •••
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم •••
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة
لو أن أمركم من أمرنا أمم •••
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم
ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي
أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ثم يهدد بالرحيل:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا
ألا تفارقهم فالراحلون هم
شر البلاد مكان لا صديق به
وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
ثم يطعن الشعراء حوله فيقول:
بأي لفظ تقول الشعر زعنفة
تجوز عندك لا عرب ولا عجم
هذا عتابك إلا أنه مقة
قد ضمن الدر إلا أنه كلم
قصيدة - من غير شك - من أقوى شعر المتنبي، سكب فيها نفسه، ولم يعبأ بمقام أحد، وكانت كافية؛ لأن يطرده سيف الدولة شر طردة، ولكن - كما قد قلت قبل - إن سيف الدولة من جنس المتنبي، فلئن كانت القصيدة أغضبته أشد الغضب فقد جاء فيها:
إن كان سركم ما قال حاسدنا
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وهذا أطرب سيف الدولة أيما طرب.
وانتهت المعركة بأن أعطى سيف الدولة المتنبي ألفا وألفا، فقال المتنبي:
جاءت دنانيرك مختومة
عاجلة ألفا على ألف
أشبهها فعلك في فيلق
قلبته صفا على صف
ولكن إن انتهت هذه الحادثة فلا بد أن يعقبها حوادث مثلها ما دام سيف الدولة والمتنبي على ما هما والبلاط على ما هو.