وكذلك كان يسجل أحداث سيف الدولة المدنية، فتموت أم سيف الدولة فيرثيها بقوله:
نعد المشرفية والعوالي
وتقتلنا المنون بلا قتال
ويموت ابن سيف الدولة فيرثيه بقصيدة:
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل
وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
ويموت غلام سيف الدولة «يماك» فيرثيه بقصيدته:
لا يحزن الله الأمير فإنني
لآخذ من حالاته بنصيب
وتموت أخت سيف الدولة فيرثيها بقصيدته:
إن يكن صبر ذي الرزيئة فضلا
تكن الأفضل الأعز الأجلا
ويمرض سيف الدولة فيقول المتنبي:
إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض
ومن فوقها والبأس والكرم المحض
ويخرج لسيف الدولة دمل فيقول المتنبي:
أيدري ما أرابك من يريب
وهل ترقى إلى الفلك الخطوب
ويشفى سيف الدولة فيقول المتنبي:
المجد عوفي؛ إذ عوفيت والكرم
وزال عنك إلى أعدائك الألم
ويأتي عيد الفطر فيهنئه، وعيد الأضحى فيهنئه.
وبذلك أصبح شعر المتنبي في هذه الفترة سجلا لكل أعمال سيف الدولة وأحداثه كبيرها وصغيرها، سلمها وحربها، أحزانها وأفراحها، جدها وهزلها.
والمتتبع للديوان يرى أن شعر المتنبي في وصف حروب سيف الدولة، وشعره في الحزن؛ أرقى من شعره في المديح وشعر السرور، وسبب ذلك - على ما يظهر - أن نوع الشعر الذي يشتد اتصاله بنفس المتنبي، يجود ويغزر، وقد كان المتنبي فارسا تعجبه الفروسية والبطولة، فإذا قال في ذلك يستخرجه من أعماق قلبه، وكانت نفسه حزينة؛ لأنه لم ينل المجد الذي يصبو إليه، فيحزن حزنا عميقا على الميت، وهو في حقيقة الأمر يحزن على ليلاه، أما السرور وأما المديح في غير البطولة فصياغته لا تلمس إلا السطح الظاهري من قلبه.
وكما سجل المتنبي أحداث سيف الدولة، سجل نفسه في مشاعرها المختلفة، وانقباضها وانبساطها، وأمنها واضطرابها، وكان المتنبي حاد الذكاء، حاد المزاج، صريحا، لا يستطيع أن يخفي ما في نفسه، وقد توالت عليه أوقات شدة ورخاء، وتتابعت عليه ساعات أمن وساعات قلق، وكان مضطربا بين الرضا والغضب، والبؤس والنعيم، ومما زاد الأمر صعوبة أن سيف الدولة من جنسه، سريع الرضا، سريع الغضب، سمح إلى آخر حدود السماحة، منتقم إلى آخر حدود الانتقام، ينفعل أحيانا لقصيدة واحدة للمتنبي انفعالات متعاكسة، فيعجبه البيت في مدحه فيطرب له أشد الطرب، ويفخر المتنبي عليه بنفسه فيهيج أشد الهياج؛ وطبعان على نمط واحد بهذا الشكل لا يمكن أن يسودهما الصفاء التام ولا الجفاء التام، فإذا ساد الصفاء فسرعان ما يعتكر، وإذا اعتكر فسرعان ما يصفو، وهكذا كان حالهما دائما، فنرى سيف الدولة يعطي المتنبي الألوف في لحظة، ويرضى عن قتله في لحظة، ونرى المتنبي له عينان، عين في المجد وعين في المال، يأخذ المال فيرضى، وينظر للمجد فيثور، والمجد في نظره أن يسود هو، ولا يكون مسودا لأحد، حتى ولو كان سيف الدولة.
وبجانب ذلك كان بلاط سيف الدولة مسرحا تمثل فيه دسائس كثيرة للمتنبي؛ فقد كان فيه شعراء كثيرون، كانوا شعراء سيف الدولة قبل المتنبي وأيامه، وكانوا ذوي حظوة كبرى عند سيف الدولة، فكسفهم المتنبي، وعلاهم بنفسه وبشعره؛ فكان من الطبيعي أن يحقدوا عليه ويدسوا له، وغير الشعراء من الأدباء والعلماء كذلك، يرون المتنبي يأخذ أكثر مما يأخذون، وينال القرب من سيف الدولة أكثر مما ينالون، فكيف لا يغضبون؟
وربما كان من أشد هؤلاء عداوة له أبو العباس النامي الشاعر وأبو فراس وابن خالويه النحوي اللغوي.
كان سيف الدولة يميل إلى النامي قبل المتنبي، فلما جاء المتنبي مال عنه، فغاظ ذلك النامي، وخلا يوما بسيف الدولة وعاتبه وقال له: لم تفضل علي ابن عبدان السقا؟ (يعني المتنبي) فأمسك سيف الدولة عن الجواب، فلما ألح قال سيف الدولة: لأنك لا تحسن أن تقول كقوله:
يعود من كل فتح غير مفتخر
وقد أغذ إليه غير محتفل