فلا ينحلل في المجد مالك كله
فينحل مجد كان بالمال عقده
ودبره تدبير الذي المجد كفه
إذا حارب الأعداء والمال زنده
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
فغذاه سيف الدولة من هذه الناحية حتى أتخمه، وكان في سيف الدولة الأريحية العربية والكرم العربي فتقابلت هذه الصفة مع شره المتنبي وطمعه، فكان يعطيه في كل سنة نحو ثلاثة آلاف دينار، غير الهدايا من أفراس وجوار وسيوف، وأقطعة مرة إقطاعا بناحية معرة النعمان كان يخرج إليها المتنبي أحيانا، فزاد العطاء في فصاحة المتنبي وحمله على العمق في استخراج المعاني، واللهى تفتح اللها.
وفوق هذا وذاك فقد كان كل الوسط الذي حول المتنبي أيام سيف الدولة يتطلب منه الإجادة، فلقد كان حوله شعراء عديدون نابهون كأبي فراس والنامي والببغاء وابن نباتة وغيرهم، ونقاد ونحاة ولغويون، والملك على رأسهم يشعر وينقد ويقدر، ويأتي من أعمال الفروسية والبطولة ما ينطق العيي.
فكيف بعد ذلك كله لا يكون عصر المتنبي مع سيف الدولة خير عصوره وأحسنها إنتاجا، وقد سئل هو نفسه في ذلك: لم تراجع شعره بعد مفارقة آل حمدان، فقال: قد تجوزت في قولي وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة، منذ فارقت آل حمدان، وفيهم من يقول: (تسائلني من أنت وهي عليمة) يعني أبا فراس، وفيهم من يقول:
وقد علمت بما لاقته منا
قبائل يعرب وبني نزار
لقيناهم بأرماح طوال
نبشرهم بأعمار قصار
يعني أبا زهير بن مهلهل الحمداني.
وفيهم من يقول:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي
والخيل من تحت الفوارس تنحط
لقرأت منها ما تخط يد الوغى
والبيض تشكل والأسنة تنقط
يعني أبا العشائر. ا.ه.
وهكذا اجتمعت كل هذه الأسباب على إحسان المتنبي في هذه الفترة كل الإحسان، وإن كان ذلك الخوف من الناقدين، والعمق في إعمال الفكر، أخرجه أحيانا إلى ما يسميه النقاد بالخيال الواهم، ويعنون به الإبعاد في الخيال إلى حد الوهم.
الفصل الرابع عشر
| المتنبي وسيف الدولة (2)
اتصل المتنبي بسيف الدولة وأصبح شاعر بلاطه الأول، فأخذ يسجل أحداثه الحربية والمدنية تسجيلا أدبيا، فإن سجل المؤرخون الحقائق صرفة فالمتنبي يسجلها ممزوجة بعواطفه ومشاعره.
قد كانت هذه الفترة فترة غزوات متوالية من سيف الدولة للروم وللخارجين عليه من أقاربه وغيرهم، فأخذ المتنبي يقول قصيدة لكل موقعة، فقد ظفر بحصن بروزويه سنة 337 فقال المتنبي قصيدته:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وحارب سيف الدولة القرامطة هذا العام، واستنقذ منهم عمه أبا وائل، فقال المتنبي قصيدته:
إلام طماعية العاذل
ولا رأي في الحب للعاقل
وخرج هذا العام أيضا لنصرة أخيه ناصر الدولة على معز الدولة الديلمي، فاضطر معز الدولة إلى الصلح، فقال المتنبي قصيدته:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل
والطعن عند محبيهن كالقبل
واستعد لغزو الروم سنة 339 وأعد جيشه، فقال المتنبي قصيدته:
لهذا اليوم بعد غد أريج
ونار في العدو لها أجيج
فلما انهزم سيف الدولة في هذه الوقعة قال قصيدته:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع
إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا
وقال: إن سبب الهزيمة ما لحق بسيف الدولة من الضعفاء والجبناء، وإن كل غزوة بعد هذه الغزوة فلسيف الدولة النصرة؛ لأن جنوده قد نقيت من الأنذال، ولم يبق فيهم إلا الأبطال.
وبنى سيف الدولة مرعش سنة 341، فقال المتنبي قصيدته:
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا
فإنك كنت الشمس للشرق والغربا
وجاء رسول ملك الروم إلى سيف الدولة يلتمس الفداء سنة 341، فقال المتنبي:
لقيت العفاة بآمالها
وزرت العداة بآجالها
وبنى سيف الدولة ثغر الحدث سنة 343، فقال فيه المتنبي القصيدة المشهورة:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وهكذا كان كل عمل حربي يأتيه سيف الدولة يسجله المتنبي ويفلسفه ويؤدبه، ويخرجه قصيدة رائعة.