تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقالوا: إن أكثر ما نال على شعره قبل اتصاله بسيف الدولة كان مائة دينار، منحها له الأمير أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج بالرملة.

فكان اتصاله بسيف الدولة صفحة جديدة في أدبه، وصفحة جديدة في رخاء عيشه.

كان أبو الطيب يتنقل في ربوع الشام مادحا من يخاله كريما محسنا، حتى نزل على أبي العشائر، عم سيف الدولة، وعامل أنطاكية، ومدحه بقصائد كثيرة، يقول فيها:

شاعر المجد خدنه شاعر اللف

ظ كلانا رب المعاني الدقاق

لم تزل تسمع المديح ولك

ن صهيل الجياد غير النهاق

وسار مع أبي العشائر سيرة مصغرة للسيرة التي سارها بعد مع سيف الدولة.

ففي شهر جمادى الآخرة من سنة 337ه زار سيف الدولة أنطاكية، وكان بها أبو الطيب، وكان قد سمع سيف الدولة به وبشعره، ورأى أن يزين به بلاطه، فقدمه إليه أبو العشائر، وعرض عليه أن يكون شاعره.

كان غير أبي الطيب من الشعراء لو عرض عليه مثل هذا العرض يطير فرحا، ويرى أن ذلك أمنية الأماني وسعادة الدهر، ولكن أبا الطيب تردد طويلا، وأداه تردده أن يشترط، لم يشترط مالا يعطاه، ولا جائزة ينالها، وهو لهذا ضامن، ولكنه اشترط ألا يعامل معاملة سائر الشعراء ؛ لأنه ليس شاعرا فحسب، بل شاعرا وعظيما، وقد سمع أن الشعراء يذلون لسيف الدولة ذلة لا يرضاها لنفسه؛ سمع أنهم يقبلون الأرض بين يديه، وأنهم ينشدون شعرهم وهم وقوف أمامه؛ فاشترط ألا يكون شيء من ذلك، إنما يكون «ملك الشعراء يمدح ملك الناس»؛ فإذا كان سيف الدولة راكبا مدحه المتنبي وهو راكب، وإذا كان جالسا مدحه وهو جالس، ثم لا يظهر بمظهر الخضوع من تقبيل الأرض ونحوه.

وعرف سيف الدولة منزلته وشهرته، وأنه سيكون صوتا مدويا في العالم العربي يشيد بذكره فقبل شروطه.

لبث المتنبي مع سيف الدولة نحو عشر سنين من سنة 337 إلى سنة 346 أغلبها في حلب، وقال فيها نحو ثلث شعره كما، وأجود شعره كيفا.

لم يجد شعر المتنبي في زمن جودته أيام سيف الدولة لأسباب: أهمها أن المتنبي لم يجد ما يغذي نفسه وعواطفه في نواحيها المختلفة كما وجدها في هذه الأيام، فالمتنبي عربي يعتز كل الاعتزاز بعربيته؛ فكان يحتقر كافورا لأعجميته، ويسب ابن خالويه لأعجميته، ويقول في أبياته:

تهاب سيوف الهند وهي حدائد

فكيف إذا كانت نزارية عربا

وجرى ذكر ما بين العرب والأكراد من الفضل، فسأل سيف الدولة المتنبي ما تقول؟ فقال:

إن كنت عن خير الأنام سائلا

فخيرهم أكثرهم فضائلا

من كنت منهم يا همام وائلا

الطاعنين في الوغى أوائلا

والعاذلين في الندى العواذلا

قد فضلوا بفضلك القبائلا

فكان - لهذا - إذا مدح كافورا وغيره لم يخلص ولم يواته طبعه، وإذا مدح سيف الدولة مدح عربيا لا يرى غضاضة في مدحه، وانثالت عليه المعاني العربية انثيالا.

وكان المتنبي وسيف الدولة لدين، شاء الله أن يولدا في سنة واحدة سنة 303، واصطحبا وسنهما أعز أيام الشباب، فقضيا معا من سن 34 إلى 44، والعواطف تتمازج وتتحاب؛ إذا تقاربت في السن واتفقت في الشباب.

وسيف الدولة فارس والمتنبي فارس، كلاهما يعشق الخيل والضرب والطعان، فإن خرج سيف الدولة فارسا خرج المتنبي فارسا، وقد صحبه في عدة غزوات إلى بلاد الروم، ومنها غزوة قالوا: إنه لم ينج منها إلا سيف الدولة وستة نفر من صحبه أحدهم المتنبي، فإذا شعر المتنبي في الغزوات والقتال والشجاعة والحرب فإنما يستمد ذلك من نفسه، ومن شعوره، لا من ألفاظ حشاها في رأسه ينظمها ولا تتصل بقلبه.

ثم ما أغدق عليه سيف الدولة من مال لم يحلم به ولم تره عينه من قبل؛ وكان المتنبي محبا للمال حبا لا يتناسب وطلبه للمجد وعلو همته، وقد علله هو بأن ذلك يرجع إلى أيام صباه يوم كان لا يجد قوت يومه، فعلمه ذلك قيمة المال والشهوة إليه والحرص عليه، ويعبر عما في نفسه من ذلك فيقول:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٠٥