وتدل الدلائل كلها على دقة حسه الأدبي وذوقه الفني، يقول فيه المتنبي:
عليم بأسرار الديانات واللغى
له خطرات تفضح الناس
فهل نستدل بهذا على أنه كان يعرف غير اللغة العربية أيضا؟ أظن ذلك؛ فابن خلكان يروي في ترجمة الفارابي أنه كان لسيف الدولة مماليك، وله معهم لسان خاص يحدثهم به.
ومن مظاهر حبه للأدب وسعة اطلاعه وحسن ذوقه أنه كان كثيرا ما يتمثل بأبيات قديمة، وتعجبه أبيات يرددها، أو قافية يستملحها، أو معنى يستجيده؛ فيطلب من الشعراء أن يجيزوها أو يقولوا على قافيتها، فمرة - مثلا- ورد على خاطره بيتان للعباس بن الأحنف:
أمني تخاف انتشار الحديث
وحظي في ستره أوفر
ولو لم أصنه لبقيا علي
ك نظرت لنفسي كما تنظر
واستحسن المعنى، فأرسل رسولا مستعجلا لأبي الطيب ومعه رقعة فيها البيتان يسأله إجازتهما، فقال المتنبي أبياته المشهورة:
رضاك رضاي الذي أوثر
وسرك سري فما أظهر إلخ
وديوان المتنبي وغيره من الشعراء مملوء بهذه الأمثال.
ثم مجلسه الأدبي الحافل في حلب، والذي قل أن يكون له نظير؛ فالشعراء والأدباء في مجلسه يثيرون الموضوعات المتنوعة، ويساهم فيها سيف الدولة، ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، ويجزل العطاء لمن أجاد؛ فأحيانا يستذكرون الشعر القديم، وأحيانا يسألهم إجازة الشعر، وأحيانا مسألة نحوية، وأخرى مسألة لغوية، حسبما اتفق؛ فمثلا مرة ينشئ سيف الدولة هذا البيت:
لك جسمي تعله
فدمي لم تحله
ويطلب من أبي فراس أن يجيزه، فيقول:
أنا إن كنت مالكا
فلي الأمر كله
ومرة يسأل المتنبي أن يعيد إنشاد قصيدته:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وكان سيف الدولة يحب هذه القصيدة ويستعيدها، فلما وصل إلى قوله:
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
ووجهك وضاح وثغرك باسم
قال سيف الدولة: قد انتقدنا عليك هذين البيتين؛ لأن الشطرين لا يلتئمان، وكان خيرا أن تخالف بينهما فتقول:
وقفت وما في الموت شك لواقف
ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
كأنك في جفن الردى وهو نائم
وهو نقد دقيق، وإن كان المتنبي قد رد عليه فقال: «إن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك».
وسأل سيف الدولة مرة من في مجلسه: هل تعلمون اسما ممدودا وجمعه مقصور؟ فلم يحيروا جوابا إلا ابن خالويه فقال: عذراء وعذارى، وصحراء وصحارى، وهكذا كان مجلسه حافلا بالأدب والنقد.
وهو مع ذلك شاعر غير أنه مقل، فقد رويت له في كتب الأدب أشعار، وإن كان كثير منها قد نسب لغيره في بعض دواوين الشعراء، فلعله كان يتغنى بها فيظن بعض الناس أنها له، ولكن بعضها يكاد يجمع الرواة على أنه لسيف الدولة، كقوله في جارية رومية له كان يهواها ويخشى عليها من حظاياه، فأودعها قلعة وقال:
راقبتني العيون فيك فأشفق
ت ولم أخل قط من إشفاق
ورأيت العذول يحسدني في
ك مجدا يا أنفس الأعلاق
فتمنيت أن تكوني بعيدا
والذي بيننا من الود باق
رب هجر يكون من خوف هجر
وفراق يكون خوف فراق
وقال:
تجنى علي الذنب والذنب ذنبه
وعاتبني ظلما وفي شقه العتب
وأعرض لما صار قلبي بكفه
فهلا جفاني حين كان لي القلب
إذا برم المولى بخدمة عبده
تجنى له ذنبا وإن لم يكن ذنب
سيف الدولة هذا الفنان الناقد الشاعر الملك، هو الذي اتصل به المتنبي.
كان المتنبي بعد خروجه من سجنه لدعواه النبوة، أو لما قيل من دعواه النبوة بائسا فقيرا ناقما على الزمان وأهله، يشعر بعظمته وعلو نفسه؛ ثم لا يجد لهذه العظمة منفذا؛ فهو يتردد على من يسميهم الناس عظماء، فيمدحهم فلا يجد عندهم تقديرا لنفسه ولا لشاعريته، حتى رووا أنه مدح علي بن منصور الحاجب بقصيدته التي مطلعها:
بأبي الشموس الجانحات
اللابسات من الحرير جلاببا
فأعطاه عليها دينارا واحدا فسميت القصيدة الدينارية.