تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت عجماء فأفصحت في أيامك، وكانت خرساء فأنطقها جمالك، وكانت بكماء فراعها منظرك؛ فوقفت على السرو والدوح من خطبائك، فلما غنت حركت أشجان الإنسان، وأوحت إليه بالمعاني الحسان؛ فأفاض الشعراء في وصفها، وبكوا لبكائها، وتغنوا من غنائها. •••

ثم هذا أنت ملأت الجو عطرا بأزهارك الطيبة، وثمارك العطرة، فأنعشت النفوس، وبعثت الأمل، فلما خاف الناس من غيبتك، وانقطاع شذاك، أمعنوا الفكر في الاحتفاظ برائحتك، فاستخرجوا الروائح من أزهارك، وتحايلوا للانتفاع بها في غيابك، فاخترعوا الغوالي والندود، وعنوا بالاستقطار والتصعيد، يتعطرون بها ذكرى لعطرك، ويتفننون فيها تقليدا لعبيرك. •••

لقد اعتدلت في حرارتك فلم تغل في بردك غلو الشتاء، ولا في حرك غلو الصيف، فكنت جميلا في جوك، كما كنت جميلا في كل شيء من آثارك. •••

ليت الزمان كان ربيعا كله، إذا لتذوق الناس الجمال كما ينبغي، فكان كل ما يصدر عنهم جميلا لا قبح فيه، خيرا لا شر فيه، فهل الرذيلة والشر إلا قبح كقبح الشتاء والصيف؟ وهل الفضيلة والحق إلا جمال كجمال الربيع؟

الفصل الثالث عشر

| المتنبي وسيف الدولة (1)

كان لسيف الدولة ناحية فنية قوية، لا تقل شأنا عن ناحيته السياسية والحربية، فهو يحب الفن ويولع به، ويتذوقه ويساهم فيه.

وقد وردت في ذلك أخبار متفرقة تدل عليه.

فهو مولع بالتصوير، رغم النزعة الشائعة؛ إذ ذاك في كراهيته، فيروي صاحب اليتيمة أن سيف الدولة أمر بضرب دنانير للصلات في كل دينار منها عشرة مثاقيل وعليه اسمه وصورته، فأمر يوما لأبي الفرج الببغاء بعشرة منها، فقال:

نحن بجود الأمير في حرم

نرتع بين السعود والنعم

أبدع من هذه الدنانير لم

يجر قديما في خاطر الكرم

فقد غدت باسمه وصورته

في دهرنا عوذة من العدم

ولعله استوحى ذلك من صورة دنانير الروم.

وأدل على ذلك ما ذكره المتنبي في صفة خيمة لسيف الدولة، تدلنا على ذوقه وحبه للفن حقا، فقد ذكر المتنبي أن هذه الخيمة أو القبة التي كانت تضرب على سيف الدولة، كانت قطعة فنية رائعة.

ففيها صورة روضة بديعة لم يحكها السحاب وإنما حاكها النساج، وأغصان الأشجار ترفرف عليها طيور لا تنقص عن الطيور الطبيعية إلا بالغناء.

وفيها صور وحوش يحارب كل جنس عدوه، ولكنها سلبت الروح فتسالمت.

وإذا ضربتها الريح ماج بعضها في بعض فكأن صور الخيل تجول، وكأن صور الأسود تختل صور الظباء لتصيدها وتدركها.

وفي ناحية من الخيمة صورة ملك الروم، وصورة سيف الدولة، وملك الروم يسجد لسيف الدولة، ويخضع له ويتذلل، ويقبل بساطه؛ إذ لا يقدر على تقبيل كمه ويده لارتفاع مكانه.

وبين يدي سيف الدولة الملوك متكئين على مقابض سيوفهم من هيبته.

وفي حواشي الخيمة لآلئ من النسيج تكاد لا تختلف عن اللآلئ الحقة إلا أنها لم تنظم ولم تثقب، ففي ذلك يقول المتنبي:

عليها رياض لم تحكها سحابة

وأغصان دوح لم تغن حمائمه

وفوق حواشي كل ثوب موجه

من الدر سمط لم يثقبه ناظمه

ترى حيوان البر مصطلحا بها

يحارب ضد ضده ويسالمه

إذا ضربته الريح ماج كأنه

تجول مذاكيه وتدأى ضراغمه

وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة

لأبلج لا تيجان إلا عمائمه

تقبل أفواه الملوك بساطه

ويكبر عنها كمه وبراجمه

قياما لمن يشفى من الداء كيه

ومن بين أذني كل قرم مواسمه

قبائعها تحت المرافق هيبة

وأنفذ مما في الجفون عزائمه

وهي صورة بديعة، تشهد بحب سيف الدولة للتصوير والفن.

ثم أولع بالموسيقى، فكان في قصوره الجواري المغنيات، ويروون أن الفارابي لما زاره عرض عليه سيف الدولة قيانه فأسمعنه، فأسمعه الفارابي من قانونه خيرا مما سمع.

وأنمى من هذا وأظهر ناحية سيف الدولة الأدبية، ولم يذكر المؤرخون لنا كيف ثقف وكيف علم، إلا أنهم ذكروا أنه كان من شيوخه أبو ذر الشاعر وابن خالويه اللغوي النحوي، وأنه درس دواوين الشعر القديم، وكانت تغذي عواطفه العربية، من تمدح بالشجاعة والكرم، كما كان يعرف أيام قبيلته (تغلب) ومفاخرها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٠٣