تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن هذا الاختيار لم يكن عبثا، ولم يكن اعتباطا، وإن كان مظهره كذلك، فالإنسان إذا سئم الأرض طار إلى السماء، وإذا مج اللذائذ مال إلى الزهد، وإذا سئم من دنيا الناس عاش في عالم المثال؛ ثم إذا هو عجب من تفكير الناس هرع إلى البحث في أسباب خطئهم، وإذا لم تعجبه عقليتهم نشد المثل الأعلى للعقلية، وإذا رآهم يجنون في التفكير والتصرف لذه أن يبحث في نوع جنونهم، ونقطة الانحراف في تفكيرهم. •••

ما لي ولهذا، فقد كاد ينسيني القصتين.

كان من كل كتاب قصة لفتت نظري، واستخرجت إعجابي.

كلا الكتابين قص قصته من وجهة نظره، ومن زاوية نفسه، ولعلهما ترميان إلى غرض واحد، ونمط في التربية واحد، وإن اختلف العرض.

فأما القصة الصوفية فهي أن «بلاشاه»، أحد أولياء «بنجاب» أرسله أبوه - وهو طفل - إلى الكتاب، فكتب له المعلم «ا» و«ب»، وأمره أن يحفظهما ويكتبهما، فوقف «بلاشاه» عند الألف، لا يحسن تعلمها ولا كتابتها، والأطفال الذين دخلوا معه الكتاب ساروا شوطا بعيدا، فأتموا حروف الهجاء إلى «الياء»، وانتقلوا إلى ما بعدها، وصاحبنا واقف عند الألف لا يتعداها؛ ومرت أسابيع على هذه الحال، والموقف لم يتغير، وأخيرا ضاق به المعلم ذرعا، وأخذه وذهب به إلى أبيه وقال: «إن ابنك ناقص العقل، غير قابل للتعلم، ولست بمستطيع تعليمه.».

فحاول أبوه أن يعالج هذا النقص، وعرضه على معلمين آخرين ليتحرك من الألف إلى الباء فما أمكن، وحز هذا في نفس الطفل، وأحس أنه حمل ثقيل على والديه، وأنهما يئسا من نجاحه، ففر إلى غابة وأقام فيها وذهنه مشغول بمظهر الألف ونكبته بها؛ فأدرك أن الألف تظهر له في الحشيشة النابتة في الغابة، في جذع الشجرة، في كل فرع من فروعها، في كل ورقة من أوراقها، في الجدول الذي يشق الأرض، في جسمه منتصبا، في الجبل الضخم يشرف على الوادي، في جسم الحيوان ممدودا، في كل شيء، فليس إلا الألف، والعالم كله وحدة، هو ألف أو جملة ألفات، هو متشابه التركيب، أو هو واحد التركيب، أليست الألف في أصلها نقطة ثم بنيت عليها نقط فكانت الألف؟ فالعالم كله نقط تكونت منها ألفات، وهو إذا كتبها فإنه عندما يلمس القلم الورقة ترسم نقطة، ثم بامتداد القلم يكرر النقطة فتكون ألفا، ثم تتعدد الأشكال، وتختلف الأوضاع والأصل واحد، والجوهر واحد، وقد يطغى الشكل على الأصل فلا تلتفت إليه النفس البلهاء؛ ولكن إذا دقق نظره وطهر فكره عرف وحدة الأصل ووحدة الخالق؛ ثم هذا العالم مكون من ألفات، والألف مجموعة نقط، والنقطة صفر، والصفر لا شيء، وليست الألفات إلا مظاهر تساوي أصفارا، وتخفي وراءها خالقها، كما يختفي وراء الألف كاتبها، فلا شيء إلا الخالق ولا شيء إلا الله.

فرح الطفل بفهم درس الألف، وتذكر فضل المعلم عليه؛ لأنه هو الذي علمه ولم يكن يفهم، فطرده من الكتاب لجهله، فنزل من الغابة إلى المدينة، وذهب إلى المعلم وقبل يده، وقال له: «لقد تعلمت درس الألف وفهمته، فهل تتفضل وتعلمني الدرس الذي يليه؟» ضحك المعلم من سخافته، وأراد أن يمتحنه فسأله أن يقرأ الألف ويكتبها، فقرأها وكتبها، وشرح للمعلم ما فهم منها، فدهش المعلم وحار عقله مما سمع، وقال للطفل: «يا بني أولى بك أن تكون أنت معلمي، وقد تعلمت من حرف الألف ما لم أتعلمه أنا من كل دروسي، وقد استفدت من الألف ما لم يستفده كل أطفال الكتاب ومعلميهم من الألف ولا من الباء ولا من كل الحروف متفرقة أو مجموعة.».

فأخذ «بلاشاه» يغني: «أيها المعلم! جنبني علمك فلست في حاجة إلا إلى الألف، لقد أثقلت عقلك بعلمك، وأثقلت بيتك بكتبك، وضاعت المعرفة الحقة بين كثرة العلم وكثرة الكتب فجنبني طريقتك.

أي معلمي، قد يكون الفرق بين الحق والباطل شعرة، وقد يخفي الحق عن الأنظار نسيج مهلهل، وربما كانت الألف مفتاح الكنز.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٠٠