ثم جاوزنا الوسط، وهدأت الريح، فاعتدلت السفينة فعادت شهوته للكلام وشهوتنا للاستماع.
وسألناه: فماذا تنتظر بعد؟
لعلكم ترون من هذا كله الصراع العنيف بين الفردية والجماعية، واضطراب العالم بين النزعتين، وشكواه من كبت الحرية العقلية في ظل «الجماعية»، وقلقه من البطء والعطالة في ظل الفردية.
إن العالم - فيما أرى - سيتحرر من خضوعه المطلق للعوامل الاقتصادية، وستكون المسائل المالية عاملا من جملة عوامل، لا العامل الوحيد؛ وسيتعلم من هذه الكوارث إيمانه بنوع من الأخلاقية الأخوية؛ وسيتبين أن النظرة الاقتصادية وحدها أدت إلى حياة جافة بائسة، وسيعود إلى التعاليم التي أهملت من أن الإنسان أخو الإنسان، وسيتجلى له أن التضييق على الحرية العقلية وإخضاع العلم للسياسة تدهور العقل، وأن دعوى المصلحة العامة لا تغني ما لم يقصد إلى المصلحة العامة في صدق وإخلاص.
أما من ناحية الصراع بين الفردية والجماعية التي حدثتكم عنها، فإني أرجح أن العالم سيهتدي إلى نوع جديد هو «الفردية في الجماعية»، وأعني بذلك أن العقول ستبتكر نوعا من النظام يحفظ فيه للفرد شخصيته في حدود مصلحة الجماعة، وستؤسس التربية والتعاليم والنظم السياسية على تغذية العاطفتين من غير أن تتضاربا وتتعارضا، وسيكون هذا علاجا لكل مشاكل العصر الحاضر.
وهذا النظام المرجو لا يتحقق إلا إذا قبله العالم المتمدن كله، ونفذه في صدق وإخلاص وقوة عقيدة، وقامت على رعايته قادة الأمم ورجال السياسة ورجال العلم ورجال الدين، وتلاشت عصبية الأمم، وعصبية الأجناس، وعصبية الأحزاب، وعصبية أصحاب رءوس الأموال، وعصبية الطبقات، وتولى الزعامة رجال واسعو النظر شديدو الإخلاص، محبو الإنسانية، جمعوا بين قوة العقل وقوة الشعور، تسيرهم العقيدة الحقة المخلصة، لا الرأي العام المحلي المتحزب. •••
وتعب الصديق من الحديث الطويل ووفائنا بشرطه، وتركنا إياه يحاضر من غير مقاطعة؛ وطلب ماء فشرب ثم سكت.
فسأله أحدنا: وهل تظن - يا دكتور - أن العالم سيصل إلى هذه الغاية بعد هذه الحرب؟
فقال: إن هذا هو الأمل الوحيد لخلاص العالم، فإن لم يبلغها في هذه الحرب، فسيظل في كوارث تتبعها كوارث، وستزيد الويلات زيادة المتواليات الهندسية تبعا لتقدم العلم وازدياد الحزازات، حتى يمل الإنسان فيؤمن بالغاية التي شرحها، أما أنها الغاية فلا أشك في ذلك، وأما أنها الغاية من الحرب الحاضرة فلست أجزم به. •••
ومرت بجانبنا سفينة ملئت فرحا وسرورا، وبها «جوقة» موسيقية تعزف وتغني، ويأخذ أهلها الطرب فيتصايحون ويتنادرون ويضحكون.
فأخذ صديقنا يلقي محاضرة أخرى في الموسيقى الشرقية وعيوبها، وبدأ يقارن بين الموسيقى الشرقية والغربية، وكاد يتدفق في هذا تدفقه في ذاك.
قال أحدنا: على رسلك يا دكتور!! فإن لقدرتنا على الاستماع حدا، والمتحدث ينبغي أن يوائم بين أحاديثه، فأين ما كنت فيه من مصير العالم من الموسيقى العربية والغربية؟ فإن كنت خبيرا بالموسيقى فتجنب «النشاز».
وضحك الجميع، ورست السفينة، وإلى اللقاء.
الفصل الحادي عشر
| قصتان طريفتان
قرأت في هذا الأسبوع كتابين بالإنجليزية، أحدهما في «التصوف» لمؤلف هندي، والثاني في «المنطق العملي»، أو كما يسميه صاحبه «فن التفكير» لمؤلف إنجليزي.
وتسألني: ما الذي جمع الشامي على المغربي، وألف بين التصوف والمنطق على بعد ما بينهما من منهج، فهذا يعتمد على مقدمات ونتائج وقياس وبراهين، وذلك يعتمد على ذوق وإلهام ورياضة وكشف، هذا لا يؤمن إلا بالعقل، وذلك لا يؤمن إلا بالنفس، وكلاهما يكفر بصاحبه؟
فأقول: إنه قد جمعت بينهما المصادفة البحتة، فقد كنت أبحث عن كتاب في مكتبتي، فعثرت على هذين الكتابين، فأغراني موضوعهما بقراءتهما، ولم أكره هذا الجمع «فالضد يظهر حسنه الضد»، ولست تتبين في جلاء سواد الأسود إلا إذا نظرت بجانبه إلى بياض الأبيض، وخير ما تتذوق حلاوة الحلو إذا تذوقت ملوحة الملح، وكثيرا ما تعمد الغانية الجميلة إلى أن تظهر جمالها بجانب الوصيفة القبيحة.