تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالت لي روحي: إني راغبة في المعرفة الحقة فعلمنيها إن استطعت.

قلت: ألف.

قالت: ذاك يكفيني، فالإنسان إذا تفتحت نفسه، وصدق نظره كفاه حرف واحد.». •••

هذه هي القصة الصوفية، وأما القصة المنطقية فهي أن شابا قص على سيدة برنامجه في يومه، فقال: «إني إذا استيقظت صباحا أذاكر «أجرومية» اللغة البرتغالية في أثناء حلقي ذقني، ثم أقرأ ساعة في اللغة الإسبانية قبل إفطاري، فإذا أفطرت ترددت بين القراءة والكتابة إلى الغداء.».

واستمر يقص عليها كيف يقضي نهاره وجزءا من ليله بين قراءة وكتابة وأكل وحديث وألعاب رياضية إلى أن ينام؛ وهكذا دواليك.

أنصتت السيدة إلى حديث الشاب حتى أتمه، وصمتت برهة ثم قالت: هذا كله حسن يا صديقي، ولكن قل لي: متى تفكر؟

وكان صمت، وكانت حيرة في الجواب. •••

كلتا القصتين ترمي إلى غرض واحد، وهو التقليل من قيمة القراءة الكثيرة من غير تفكير، ورفع قيمة التفكير ولو في الدرس القليل.

ما أكثر ما نقرأ، وما أقل ما نفكر! وقد رأينا أن التفكير في الألف أنتج أكثر ألف مرة مما ينتج من حفظ حروف الهجاء كلها ومركباتها من غير تفكير.

لقد حدثونا عن «ديمقريطس» الفيلسوف اليوناني أنه قلع عينيه لئلا يشغله النظر عن التفكير، والقراءة عن التأمل، وحدثونا حديثا أخف فظاعة من هذا عن «فيثاغورس» أنه كان يقضي ليله في التفكير العميق في أحداث يومه، ولسنا نتطلب هذا ولا ذاك، ولكنا نتطلب تفكيرا يعادل القراءة، وتأملا يوازن النظر.

القراءة جمع أزهار، والتفكير تأليف طاقة.

القراءة جمع خرزات، والتفكير نظمها في عقد.

بل القراءة جمع أزهار وحشائش، وضم حجر كريم إلى حجر غير كريم، والتفكير اختيار الصالح واختيار المناسب، واستبعاد الفاسد واستبعاد غير المناسب.

القراء ضم عقيم إلى عقيم، والتفكير قدرة على الاستيلاد حتى من العقيم.

قراءة الكتاب وحفظه زيادة نسخة مطبوعة منه، والتفكير نفخ الروح في الصورة، ورد الحياة إلى الميت.

كثرة القارئين في الأمة زيادة مكتبة جامعة فيها، وعقل مفكر واحد باعث الروح، ونور الظلام، وحافز الهمم، وهادي الطريق.

كما أن في الكتاب كاتبا مقلدا وكاتبا خالقا، كاتبا ناقلا وكاتبا مبتكرا، كذلك في القراء قارئ ناقل وقارئ ناقد، قارئ مستقبل لاقط، وقارئ مبتكر خالق.

القارئ الخالق هو الذي يقرأ الصفحة أو الجملة فيولدها، ويشعر أنه تفتحت له منها آفاق للتفكير كأنه يطل منها على العالم، يدرك وجوه الشبه بين الأفكار ووجوه الخلاف، يدرك وجوه الفروق الدقيقة بين ما يظنه الناس متشابها، ووجوه الشبه الدقيقة فيما يظنه الناس متخالفا.

القارئ الصادق يأبى أن يجعل عقله مستودعا للأشياء المتناقضة، ثم يتركها كما هي متناقضة؛ إنما يعمل فكره ليكون مما في عقله وحدة متجانسة، بعد أن يطرد منه ما لا ينسجم مع هذه الوحدة، يصفف أفكاره في نظام كما يصفف التاجر اللبق سلعته، ويستبعد منها الزيف كما يستبعده التاجر الأمين.

القارئ الناقد هو الذي إذا قرأ فهم، فإذا فهم قوم، فإذا قوم احتفظ بالصحيح واستبعد الزائف، فإذا احتفظ بالصحيح فكر في العلاقة بينه وبين ما سبق له ادخاره في ذهنه، ثم كون من ذلك كله وحدة متجانسة ينظر من خلالها إلى العالم، ويصدر بها حكمه على الأشياء. •••

ما أشقه من عمل! ولذلك لم يستطعه في كل أمة إلا الأبطال.

أدرك هذا «بلاشاه»، وأدرك تبعة المعلومات يحصلها، وعظم الواجبات للفكرة تحل في عقله، فلم يرض أن يحمل عبثا غير عبء الألف.

وأدركت هذا السيدة فارتاعت من كثرة ما يلتهم صديقها من غير هضم، وأرشدته في لطف إلى أن خير ما أكل ما هضم.

ألست معي في أن القصتين طريفتان؟

الفصل الثاني عشر

| الربيع

لعن الله السياسة وألاعيبها، فقد أفسدت علينا كل شيء، حتى الطبيعة وجمالها، كنا ننتظر القمر ننعم بجماله، وتمرح نفوسنا في ضيائه، فإذا الغارات تنتهزه كما كنا ننتهزه، وترقبه كما كنا نرقبه، فاقترنت هالته بالقتل والدمار، وتلون بياضه بحمرة الدماء، وأصبح ضياؤه وخير منه الظلام، وبياضه وخير منه السواد، وفقد شعريته وفضيته وجماله وبهاءه، إلى حين.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٠١