تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعدناه أن نلتزم الصمت؛ لأنه يوافق مزاجنا في هذه الآونة، ولأننا صائرون إلى هذه النتيجة شئنا أو أبينا، فإن تدفقه لا يسمح بالكلام لغيره.

قال: لست أريد أن أرجع بكم في الحديث إلى الماضي البعيد فإن شأنه يطول، ولكني أحدثكم في الحاضر مشوبا بشيء من الماضي، وأبني عليه المستقبل.

في عصر فكتوريا كان العالم المتمدن يتجه إلى السير على مبدأين هامين:

المبدأ الأول:

بأوسع معانيها، ولست أعني الحرية السياسية وحدها، بل أعني أن الحرية أصبحت مزاجا عقليا يحاول تطبيقها على كل شيء؛ حرية في الشئون السياسية، وأن ينال كل فرد نصيبه في سياسة أمته بطريق التصويت؛ وحرية اقتصادية بالسير على مذهب

Laissez faire - ولا أدري ماذا تسمونه باللغة العربية - وأعني به حرية الفرد أن يشتري من أرخص سوق ويبيع في أغلى سوق، وحرية الضمير، وحرية العقل في أن ينميه كما يشاء، ويغذيه بما شاء, ويفك قيوده من الخرافات

والمبدأ الثاني:

الروح العلمي وعدم تقيده بأي قيد، والبحث الحر الخالص، والإيمان التام بأن العلم هو الذي يجب أن يحكم الحياة ويسيرها.

وفي ظلال هذين المبدأين نمت الفردية، أعني احترام الفرد وحرية الفرد، وكان كل شيء ينبئ بأن السير في هذا الطريق سيوصل حتما إلى سعادة الأمم ورفاهيتها، وإلى السلام العام وحسن التفاهم بين الشعوب؛ ولكن - مع الأسف - خاب الأمل، وأنتجت الحرية الاقتصادية غنى مفرطا لقليل من الأفراد، وفقرا مدقعا للأغلبية، وحرية واسعة للأغنياء وأصحاب رءوس الأموال، وعطالة ورقا لكثير من العمال، كما أنتجت صراعا حادا على الأسواق؛ وذلك أنتج الحواجز الجمركية، وآل هذا كله حتما إلى الحروب الطاحنة التي شاهدناها في حرب سنة 1914، والتي امتدت عواملها وبواعثها إلى الحرب الحاضرة.

وانقسمت الأمم إلى معسكرين، معسكر ظل على مبدأ الحرية الفردية ومظهرها الديمقراطية، مع تعديل ذلك بما تستوجبه الظروف، وحامل علمه إنجلترا وأمريكا؛ ومعسكر كفر بالفردية وآمن بالجماعة ولم يسمح للفرد بالحرية إلا في حدود مصلحة الجماعة، وحامل هذا العلم روسيا الشيوعية وإيطاليا الفاشية وألمانيا النازية.

وهذا المعسكر الثاني قد وضع نظامه الاقتصادي والسياسي على هذا الأساس، أساس الجماعة لا الفرد، وإن اختلفت مناهج أممه ووسائلهم؛ ففي السياسة أعطيت الهيئة التنفيذية سلطة واسعة جدا، وحدت قوة السلطات الأخرى وضيقت المعارضة ... إلخ؛ ومن الناحية الاقتصادية حلت النقابات في النظام الفاشيستي محل حرية الأفراد، وتدخلت الحكومات في الأمورالاقتصادية، ورسمت المناهج، ووضعت يدها على كثير من موارد الدولة ... إلخ، وكانت الشيوعية أكثر إمعانا في اضطهاد الفردية ونصرة الجماعية، ووضعت التربية في هذا المعسكر جميعه على أساس استمالة الفرد ليعد نفسه جزءا من جسم المجموع لا شخصية مستقلة؛ وتبع هذا تضييق حرية الفكر وحرية النقد، بل وأحيانا حرية العلم إذا كانت النتائج العلمية لا تتفق ونظام الدولة.

ومن ناحية أخرى رأينا المعسكر الأول نفسه قد شعر قادته بأن النظام الديمقراطي أيضا في حاجة إلى تعديل، وخطب عظماؤه في وجوب إصلاحه لمواجهة العالم الجديد، فنظام رأس المال يسبب دائما أزمات حادة وعطالة محزنة؛ فنادوا بأنه يجب أن تتدخل الحكومات الديمقراطية ولو بعض الشيء لوضع حد لهذه المآسي، وتقييد الحرية نوعا ما لمصلحة المجموع؛ وقالوا: إن النظام البرلماني بطيء في تسيير الأمور بطئا يحتاج إلى علاج، والمطابع والتمثيل والسينما والراديو قد جاوزت حدودها في الحرية، ولا بد من تدخل في وضع حد لها مسترشدين بالمصلحة العامة. •••

وإلى هنا توسطنا النيل، وهبت ريح فضربت الشراع فمالت السفينة ميلا شديدا، ففزعنا، وكان أفزعنا صاحبنا المحاضر فصاح، وسكت عن الكلام المباح.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٩٨