ومن الخطأ في نظري تفسير كل شيء بالمادة وإهمال الروح، والقول بأن الإنسان مسير بجيبه لا بروحه، إن النظر إلى المادة وحدها جعل الغرض المنشود هو القوة المادية بالمال وبالقوة الحربية، فماذا كانت نتيجة ذلك؟ نتيجته صراخ الأرض حتى ضجت من صراخها السماء، وتلوين الخرائط بمالك ومستعمر، واستعباد أكثر الإنسانية لأقلها، ولذة الأقلين بألم الأكثرين، إن الأمم ظلت تتسابق في القوة المادية حتى ضاعت حكمة حكيمها، وفلسفة فيلسوفها، وعميت عن الغاية من القوة، واتخذتها غاية لا وسيلة، حتى ذهب عن الأرض سلمها وجمالها؛ وفي التاريخ ما يرشدنا إلى أن القوة المادية كالقوة العسكرية تنتهي دائما بتحطم نفسها، كان كذلك اليونان والرومان، والقرطاجينيون، ومن أتى بعدهم إلى اليوم.
إن العالم قوى جسمه وقوى عقله وقوى يده، وبقي عليه أن يقوي قلبه؛ ولعل الكوارث الحاضرة تنتهي إلى الالتفات إلى القلب كما التفت إلى إخوته.
وقوة الروح هي التي تغير الأمة وتخلق المادة.
الاقتصادي :
ألست ترى أن دعوتك إلى الروحية كدعوة المتصوف إلى الصوفية؟ وما ظنك بصوفي ينازل جنديا مسلحا؟ إن شئت أن تدعو إلى الروح فعمم الدعوة، ولا تدع إلى وضع السلاح حتى يضعه خصمك، وإلا أكلت.
الأديب :
إن السلاح سيأكل نفسه.
الاقتصادي :
إني أشك.
ونظر أحدهم إلى الساعة فوثب قائلا: هذا آخر موعد لآخر ترام.
الفصل العاشر
| في الهواء الطلق (2)
أما جلستنا هذه المرة فكانت في سفينة شراعية عند روض الفرج، وقد بلغ النيل أوجه في علوه وفخامته وشدة جريانه واحمرار لونه، وبلغ القمر أوجه في جماله ونوره، وامتزج جمال القمر بجمال النيل بجمال الجو بجمال الحديث، فكان لنا من ذلك متعة فنية، ومتعة عقلية، أحببت أن أشرك القراء فيها.
كان ثلاثتنا في الليلة السابقة هم بعينهم في هذه الجلسة، وزاد عليهم صديق رابع عاد من إنجلترا حديثا بعد أن درس الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وعاد إلى مصر فتولاه نوع من الكآبة وانقباض الصدر وطول اللسان، والنقمة على كل شيء يراه، فلا يعجبه حياة الأسرة، ولا نظام المجتمعات، ولا نظام الاقتصاد، ولا منظر الناس في الشارع، ولا حجاب المرأة ولا سفورها، ولا شيء يقع تحت سمعه وبصره؛ وهو بجانب ذلك شديد اللوم لاذع النقد.
ذكرنا ونحن في الطريق المجلات العربية، فأخذ يشنع عليها، ويقذفها بكل نقيصة، ويتهمها بأن أمثلها يتكلم في السماء ولا يتكلم في الأرض، ولا ينير الشعب بما ينبغي أن يعلمه، ولا يفهمه موقفه، ولا يحل له مشاكله ولا يرسم له خطة سيره، وتمر الأحداث بجانبها وكأنها حدثت في المريخ، فإن اعتذرنا له بالحرب وملابساتها قال: وهل كانت مجلاتكم قبل الحرب خيرا منها الآن، وأحسن تقديرا للظروف، وأصدق معالجة للأمراض الواقعية؟ وهكذا كلما عرضنا لشيء أوسعه نقدا، حتى سارت بنا السفينة وحلت شراعها.
كان هذا المنظر يفتح الشهية للحديث كما فتحه للأكل، ولكن لا أدري السبب في أن جميع الأصدقاء القدماء تفتحت شهيتهم للصمت دون الكلام، إلا صاحبنا الجديد، فقد كان ثرثارا لا يسمح لغيره أن يبدي رأيا أو يتحدث حديثا؛ وبذلك انقلب الوضع من سمر نشترك فيه، إلى محاضرة يلقيها علينا صاحبنا، لا أدري من حسن الحظ أو من سوئه أن أحدنا سأله رأيه في مصير العالم بعد هذه الحرب، فقال: إن هذا سؤال لا تمكن الإجابة عنه بكلمة ولا بنوع من التنبؤ، ولا بالحدس والتخمين؛ إنه لا يمكن شرح الغاية إلا إذا عرفنا الاتجاه، فإذا شئتم حدثتكم بشرط ألا تقاطعوني، فأكره ما أكره في مصر أن المتحدث لا يستطيع أن يتم حديثه، ففي كل كلمة ينطق بها يقاطع، وقبل أن يتمم فكرته يعترض عليه، وقد يكون الآتي شرحا للماضي ولكن لا يمكن من ذلك؛ وقد يطول الجدل في القشور قبل أن يصل المتحدث إلى اللباب، والحق أن المصريين يحتاجون إلى من يعلمهم فن الصمت كما يعلمون فن الكلام؛ والحق أن الصمت فن له رسوم ومناهج يطول الحديث عنها؛ فهل أحدثكم في فن الصمت أو تلتزمون الإصغاء فأحدثكم فيما سألتم؟