تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم استمر يقول: وإني أومن بالجبر على هذا المعنى، معنى أن نوع الحالة الاقتصادية منتج لا محالة نوع المعيشة الاجتماعية التي يعيشها الشعب، واختيار الإنسان وبواعثه وحرية إرادته كلها تلعب في دائرة ضيقة ضمن الدائرة الواسعة وهي دائرة الجبر، كحرية الإنسان في بيت مغلق؛ والنوابغ الذين ينبغون في كل عصر مع الاعتراف بقوة أثرهم إنما هم نتيجة هذه الظروف الاقتصادية ؛ وحتى رقي الآداب والعلوم والفنون أو ضعفها ناتج أولا من الحالة الاقتصادية، فهي التي تخلق نوابغها، ثم هؤلاء النوابغ يسيرون حركتها.

وأحداث التاريخ التي أشرت إليها يمكن أن تفسر هذا التفسير الاقتصادي؛ فحالة العرب الاقتصادية قبيل البعثة كانت متهيئة لنبي، ولأمر ما كانت بعثة النبي في مكة، لا في غيرها من بقاع جزيرة العرب، لما كان فيها من الحركة التجارية العظيمة، فهي مورد التجارة من الخارج، وهي مصدر الإصدار لسكان الجزيرة في أيام الحج، بما كانوا يقيمون من أسواق، وما كان من أدب في سوق عكاظ فتابع للسوق التجاري؛ ولأمر ما كذلك كان أكثر من دخل في الإسلام أول الأمر من رقيقي الحال الذين سماهم صناديد قريش «الفقراء والمستضعفين والأذلة» وأكثر الذين عصوا وعاندوا هم الأثرياء الأغنياء، كأبي لهب، وأبي سفيان من الذين خشوا على مركزهم المالي وما يتبعه من جاه؛ وفي القرآن كثير من النصوص التي عني فيها بالشئون التجارية، كمن الله على قريش بتيسير أسباب التجارة

لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، وتأنيبه الذين

وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ، وتحريم الربا وحل البيع، إلى كثير من ذلك، ثم المطالبة بنزول الأغنياء عن بعض مالهم للفقراء بالزكاة والصدقة ونحوهما؛ كل هذه أمور اقتصادية هيأت الظروف وأنتجت النتائج، ويمكنك على هذا الأساس - وبهذه النظرية الاقتصادية - أن تفسر أحداث التاريخ الإسلامي والثورات ورقي العصور وانحطاطها.

والآن يمكن تطبيق هذا على الشرق والغرب والمستعمر والمستعمر؛ فالاستعمار ليس إلا ظاهرة اقتصادية؛ إذ أدى الانقلاب الاقتصادي الذي حدث في أوروبا في القرن الثامن عشر إلى التوسع في الإنتاج الصناعي، فاحتاجت أوروبا إلى امتلاك مستعمرات تحصل منها على المواد الأولية للصناعة ثم لتصرف فيها سلعها؛ فكانت خيرات الشرق للغرب، وأصبح الأول ضعيفا غير ناهض لفقره ولسوء حالته الاقتصادية، والعكس.

فإن شئت للشرق رقيا فأعنه، وابحث عن الطرق التي تمكنه من استغلال بيئته الطبيعية لنفسه، فإذا هو غني وإذا هو عالم، وإذا هو أديب، وإذا هو مخترع، وإذا هو ما شئت. •••

ساد الجميع سكون لم أتبينه، أهو سكون رضى واقتناع، أم هو سكون تفكير واستعداد للدفاع!

والتفت أحدهم إلى الأديب المتفلسف أو الفيلسوف المتأدب، فقال: ما رأيك؟ لقد أطلت السكوت وسمعت وجهتي النظر، وكان طول الجلسة ساهما حالما يسمع بنصف نفسه، ونصفها الآخر في الجو والهواء والنيل والسماء.

فقال: أما أنا فإني أردد قول الله تعالى:

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، رأيي أن كليكما حكى بعض الحقيقة؛ فليس عامل التغير النابغة وحده، ولا الفرد وحده، ولا البيئة وحدها؛ وإنما هو «الإنسان في البيئة» والنابغة في الظروف؛ وكلاكما أهمل جدا جانب الروح، مع أن التاريخ كله ليس تاريخ النوابغ ولا تاريخ المال، وإنما هو تاريخ الروح أيضا، إن الروح الإنسانية تسعى دائما لغايتها المرسومة لها، وغايتها الحرية العاقلة، والظروف الخارجية تضغط عليها، وهي تحاول دائما دفع هذا الضغط وكسر الأغلال حتى تصل إلى غايتها.

وأحداث التاريخ سلسلة من الضغط على اختلاف الأشكال ومحاولة النفس تحررها من الضغط والأغلال غير العاقلة، وهي دائما في خطوات إلى الأمام نحو تحقيق هذه الغاية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٩٦