تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفرغوا من أكل «المانجو» و«لخمته» وتفرغوا للجو والحديث.

المؤرخ: إن نوابغ الأفراد لا المجتمعات هم الذين يأتون بالأفكار الجديدة الثورية؛ في الأخلاق، في السياسة، في الفنون، في العلوم؛ ووظيفة المجتمع أنه يعرقل سيرهم أولا، ويضع العقبات في سبيل تعاليمهم، ويتهمهم بالمروق والزندقة والإفساد، ويصب عليهم العذاب ألوانا؛ ومع ذلك تبقى آراؤهم، ويزيدها العذاب قوة، ثم تكتسح الأفكار القديمة وتحل محلها، ثم ما كان من الأفكار جديدا ثائرا يصبح قديما محافظا، حتى يأتي النابغة فيعيد السيرة، وهكذا دواليك إلى اليوم، وإلى غد، وبعد غد.

فترى - يا أخي - من هذا أن المجتمع ليس سبب النهوض والتغيير، إنما هو عامل القرار والثبات؛ فإذا كان لا بد للمجتمع من قوتين: قوة الدفع وقوة التعويق، فالنوابغ هم الدافعون والمجتمع هو المعوق، النابغة يحمل المشعل والمجتمع يحاول إطفاءه، وكلما كان النابغة أكثر رقيا وأشد إمعانا في النظر، كان أكثر بعدا عن قومه، وكانوا له أكثر اضطهادا، حتى ليرمى بالجنون؛ وبعد اضطراب وعنف وتخريب وضحايا يستقر رأي النابغة، وكثيرا ما يحدث أن يكون ذلك بعد موته أو قتله، ثم تسفر النتيجة عن أن النابغة هو المقترح، ومشخص المرض، وواصف العلاج، والمجتمع أخيرا جدا هو منفذ العلاج. •••

وهنا أدار أحدهم عينه في الأفق، فلمح نجما يلمع لمعانا براقا، فقال: انظروا هذا النجم الصافي اللامع المضيء القوي، ما اسمه؟ - والله لا أدري، فأنا أجهل الناس بشيئين: أسماء النجوم وأسماء النبات، فلست أعرف من النجوم إلا الشمس والقمر، ولا من النبات إلا النخل والذرة، حتى القطن لا أعرفه إلا إذا «لوز».

ضحك من الجميع. •••

الاقتصادي: إنك لم ترد على شيء مما قلت، غاية الفرق بيني وبينك أنك عمدت إلى النتائج فأوضحتها، وأنا أعمد إلى الأسباب فأشرحها؛ إنك تبين عمل النابغة، وأنا أبين الأسباب التي تحمل على خلق النابغة؛ وخير إذا شرحنا الأمور أن نتعمق إلى جذورها، فإذا نحن عمدنا إلى ذلك رأينا أسباب نهوض الأمم وتغيرها أسبابا اقتصادية بحتة.

كل شيء في هذه الحياة يرجع إلى المادة، فهي التي تعكس صورها وأثرها على العقل، فيجب أن تتغير المادة - أولا - ثم يتبعها العقل في التغير فيكون الرقي أو الانحطاط؛ ولو رجعنا إلى التاريخ - كما تقول - لوجدنا كل الآراء وكل النظم ترجع في أساسها إلى البيئة التي نشأت فيها والتغيرات التي وضعت لها، لقد كان الإنسان الأول يعيش على صيد الحيوان في البر والسمك في البحر، فكانت آراؤه وأفكاره ومعيشته مشتقة من بيئته، ثم تغيرت البيئة، فأصبح يعيش على رعي القطعان أو الزراعة، فتغيرت آراؤه وأنواع معيشته وحاجاته تبعا لذلك، ثم تغيرت إلى نظام إقطاعي، ثم إلى نظام رأسمالي، فتغيرت كل نظمه وكل آرائه حتى الأخلاقية والسياسية، ويمكن أن نرجع أدق التفاصيل وأعمق الأفكار إلى هذا النوع من البيئة كما درسنا في الاقتصاد، ولكن مما لا شك فيه كذلك أن أنواع الحياة وتفاصيلها وعواملها أصبحت الآن أكثر تعقدا؛ لأن كل النظم القديمة النابعة من البيئات القديمة لم تفقد أثرها وورثتنا كثيرا من تعاليمها ووحيها، لم يكن في المجموعة من الناس طبقات يوم كانوا يصيدون ويرعون، ثم لما أصبحت زراعية نمت الملكية الخاصة، فكان غني وفقير، وبدأت الطبقات، ونشأ عن ذلك مالك وأجير، أو مالك وعبد، فوجد نوعان من العلاقة: علاقة الملاك بالبيئة الطبيعية، وعلاقة الملاك بالعبيد، فنشأ عن هذا تغير في الأفكار لا عد لمظاهره، وثورات واضطراب، ومصلحون ونوابغ يحلون هذه المشاكل، وتعقدت هذه العلاقات في النظام الإقطاعي، ثم زادت تعقدا في النظام الرأسمالي، وما نشاهد من عادات ومن رقي ومن اختراع ومن أسواق، ومن نظريات في الاقتصاد، ومن نظم في التجارة، ومن مذاهب اشتراكية وفاشية وشيوعية، ومن نزاع طبقات، ومن حروب أمم؛ كله نتيجة هذه العوامل الاقتصادية، وإن شئت فقل البيئة الطبيعية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٩٥