تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شاركته في الضحك، واستظرفت مزحته، وآليت أن أنقل مزحه جدا، فأجعل من الكتاب موضوعا.

فقلت: ما ثمنه؟

قال: هو أتفه من أن يكون له ثمن.

وأخذت الكتب وانصرفت.

لم يجذبني إلى القراءة تاريخ اليمن ولا رحلة ابن جبير كما استرعى نظري كتاب «ألف باء».

رأيت في الصفحة الأولى منه: «كتاب طريق الهجاء والتمرين على القراءة في اللغة العربية.» بالعناية الخديوية الإسماعيلية أعزها الله، وبهمة سعادة علي مبارك باشا مدير المدارس الملكية، والأشغال العمومية، وسكك الحديد المصرية والقناطر الخيرية، للتعليم على مقتضاه في المكاتب الأولية المصرية، ثم قريبا من الذيل حديث شريف: «أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم» وفي آخر الصفحة «الطبعة الأولى بمطبعة وادي النيل في القاهرة سنة 1285.». •••

رأيت في أول الكتاب مقدمة بديعة حقا، مفيدة حقا، تعد ثورة على طرق التربية القديمة، ورسما لخطة جديدة، كتب في أولها أنها «مقدمة تشتمل على بعض تعريفات تتعلق بأصول طريقة التعليم التي يقتضى أن يجرى عليها العمل.» وإنها «خطاب من إدارة عموم المدارس المصرية الملكية إلى حضرات الخواجات (ولعله يريد الخوجات)، والمؤدبين بالمكاتب الأهلية وسائر المندوبين للتربية الأولية.» وكتب في آخرها «حررها علي مبارك باشا.».

هي ثورة تعليمية حدثت من نحو ثمانين عاما، فقد كتبت كما أسلفت سنة 1285ه/1868م.

كانت نظم التعليم قبل ذلك في المكاتب تجري على أنماط القرون الوسطى، فالطفل يذهب إلى الكتاب، فيسلم له «سيدنا» أو «العريف» لوحا من الصفيح كتب فيه بالحبر: ب ت ث ... إلخ، ويحفظه: «ا» لا شيء عليها، ب واحدة من تحتها، ت اثنان من فوقها، ث ثلاثة من فوقها ... إلخ، فيكررها الطفل كما يقول «سيدنا» أو «العريف» وهو كاره لذلك كل الكره، غير فاهم لما يقول، فإذا لم يحفظ فالعصا على ظهره، فإذا لم ينجح فرجلاه في «الفلقة»؛ فإذا انتهى من ذلك بعد عناء، انتقل به «سيدنا» إلى خطوة أخرى، فكتب له في اللوح: «ا ألف»، ونطقها ألف ألف لام فاء، «با» با ألف، «بو» با واو ... إلخ.

وهي ألغاز لم أفهمها إلا وأنا في سن العشرين، وتفسيرها أن كلمة ألف تتركب من ألف ولام وفاء، وكلمة «با» تتكون من باء وألف، و«بو» تتكون من باء وواو ... إلخ، وهو نمط عجيب في التعليم، فإذا انتهى من ذلك كتبت الحروف مشكولة، و«سيدنا» ينطق والطفل ينطق وراءه كالببغاء.

فإذا تم ذلك كله بعد مشقة وعناء تدوم أشهرا؛ كتب له سيدنا في اللوح سورة الفاتحة فسورة الناس ... إلخ، والطفل يقرأ اللوح ويحفظه ويسمعه؛ وهكذا يسير في حفظ القرآن إلى أن يتم حفظه أو ينقطع، ومن حين إلى حين يعلمه «سيدنا» أن يكتب اللوح بنفسه، ثم لا التفات إلى شيء من العلوم، ولا إلى شيء من السلوك، ولا مراعاة لعقلية الطفل.

جاء «علي مبارك» فأراد في هذه المقدمة أن يغير هذا كله ويقرر مبادئ في التربية جديدة يأخذ بها المعلمين أجملها في خمس عشرة فقرة.

فقرر أن خير مناهج التربية ما أوصل إلى الغاية من أقرب طريق، من غير أن يمل الطفل أو يتعبه مع مراعاة قواه العقلية.

وأن تكون التربية مؤسسة على استخدام الطفل جميع حواسه ما أمكن، ولذلك يجب أن تقترن كتابته بقراءته.

ويجب تأخير استعمال الحبر والورق في التعليم، والبدء باستعمال الطباشير والألواح السوداء، فذلك أوفر وأنظف.

وأن تكتب أولا الحروف المفردة بالخط الثالث الثخين في لوحات سوداء بالطباشير ويكررها المعلم على التلاميذ؛ فمن تقدم منهم في معرفة ذلك جعلوا عرفاء ثم يوزع المعلم التلاميذ الضعفاء على العرفاء ليعلموهم على اللوحات المختلفة نطق الحروف ثم كتابتها تحت إشراف المعلم، ولا ينتقل من درس إلى درس حتى يتصوروا الدرس القديم ويتقنوه ويعرفوا نطقه وكتابته.

وبعد ذلك يعلمهم الحروف متصلة بحروف العلة، فيكتب الباء مع الألف هكذا «با» وينطق بها «با» ممدودة وكفى من غير الفلسفة القديمة في التهجية، ثم يعلمهم الحروف بالعلامات كذلك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٩٢