تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأذكر أني قرأت مرة قولا طريفا لبعض المفكرين في هذا الموضوع، خلاصته أن موضع الخطأ في هذا السؤال هو أن الإنسان يريد أن يطبق أخلاقيته على أخلاقية العالم، فهو يسمي بعض الأعمال رحمة وبعضها قسوة، وبعضها نعمة وبعضها نقمة، وبعضها لذة وبعضها ألما؛ ولكن هذه التسمية صحيحة بالنسبة له فقط وبمقياسه هو فقط، ولكن وراء عالمه الإنساني عوالم أخرى في الأرض، ووراء عوالم الأرض عوالم لا عداد لها في غير الأرض، أليس من غرور الإنسان أنه يريد أن يطبق العدل والظلم في العالم حسبما يدرك بنظره القاصر وفكره المحدود، ويريد أن يخضع العوالم الواسعة لعالمه الضيق، ويريد أن يطبق قوانين العالم الكلية على قوانينه هو الجزئية؟

وهو جواب ماهر لم أستطع أن أقف أمامه موقف تأييد أو تفنيد، ومشايعة أو معارضة.

يظهر لي أن موضع الخطأ في فهم هذه المسألة أنهم يعرضون مشكلة الآلام وحدها ويريدون حلها، وهي لا يمكن أن تفهم إلا إذا عرضت الدنيا كلها على أنها وحدة، كيف نفهم الأبيض من غير أسود، والحرارة من غير برودة، والطول من غير قصر، والعمى من غير بصر ؟

كذلك الآلام لا يمكن أن تفهم إلا على أنها جزء لا يستغنى عنه من نظام هذا العالم، ولو انعدمت الآلام؛ لأنهار نظام هذا العالم من أساسه.

إن الفضيلة لا يمكن أن توجد في هذا العالم إلا إذا وجدت الرذيلة؛ فلا نفهم الإيثار حتى نفهم الأثرة، ولا توجد البطولة حتى توجد النذالة، ولا العدل حتى يوجد الظلم، ولا الشجاعة حتى يكون الجبن؛ كذلك لا يوجد الحب من غير عذاب، ولا اللذة من غير ألم، ولا التوبة من غير إثم.

ولو انعدمت الآلام، والرذائل والآثام ما كانت الفضائل العالية، ولا الأعمال النبيلة، ولا أعمال البطولة التي يتغنى بها الشعراء، ولو انعدم القبح؛ لانعدم الجمال، ولولا الأشقياء ما كان السعداء.

لا معنى لأني أحب من أحب إلا إذا اشتمل ذلك على الألم، فمعنى أني أحبه أني أشاركه أحزانه، وأخاف عليه الأذى يناله، وأخاف انقطاع الصلة بيني وبينه، وهل هذه كلها إلا آلام إذا ذهبت ذهب الحب.

إن احتمال الآلام في هذه الدنيا كان لنا منه أكبر الفضائل، من حزم وصبر وثقة بالنفس وتضحية للخير وعذاب للإصلاح، ولولاه ما كانت.

لولا عواطف الألم ما كان شعر ولا فن، ولا نحت ولا موسيقى ولا تصوير، ولا معان إنسانية، ولا وطنية ولا قومية.

فلو كان العالم كما يتطلبه العامة خاليا من الآلام لكان بالطبيعة أيضا خاليا من اللذائذ، ولو كان خاليا من الرذائل كما يبغون لخلا أيضا من الفضائل؛ إذ لا يمكن أن تتصور لذة بدون ألم، ولا فضيلة بدون رذيلة.

إن عالمنا هذا بني على الخير والشر، واللذة والألم، والفضيلة والرذيلة، والسعادة والشقاء، وكل منهما كأحد جانبي الوجه لا يكمل إلا بجانبه الآخر، ولا يفهم إلا بالآخر، فمن أراد عالما لا ألم فيه فليطلبه في غير هذا العالم، وعلى غير هذا النظام كله.

وتبارك الله رب العالمين.

الفصل الثامن

| أول ثورة على التربية في مصر

قلت للكتبي الذي اعتدت أن أمر عليه حينا بعد حين: - هل عندك من جديد؟ - نعم، عندي تاريخ اليمن لعمارة اليمني طبع أوروبا، وثمنه مئة وخمسون قرشا. - وماذا غيره؟ - وعندي رحلة ابن جبير طبع أوروبا أيضا، وثمنها مئة وعشرون قرشا. - ثم ماذا؟ - وعندي كتاب قيم جدا لم يقع في يدي إلا مرة واحدة منذ احترفت بيع الكتب، وسيعجبك جدا. - هو مما طبع في أوروبا أيضا؟ - لا لا، هو أثمن من ذلك، قد طبع في مصر، ولكنه نادر جدا، وأثمن من كل ما طبع في أوروبا. - وما اسمه وما موضوعه؟ - لا أخبرك باسمه ولا بموضوعه حتى تراه، ولا أريكه حتى تنتهي في هذين الكتابين وتشرب القهوة.

وشربت القهوة, وشريت الكتابين، واستنجزته وعده، فأحضر الكتاب وهو يضحك، وفتح صفحة من الكتاب، فإذا فيها «ألف وباء» إلى آخر حروف الهجاء، بالثلث!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٩١