تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا عرفوا الحروف الهجائية انتقلوا إلى الكلمات الصغيرة من حرفين فثلاثة ... إلخ، ثم الجمل، ولا يعطي المعلم لهم جملة من غير أن يفهمها لهم.

وقد وضع منهجا لمدة الدراسة وهي ثلاث سنوات، ففي السنة الأولى يتعلم القراءة والكتابة باللغة العربية واللغة التركية (وهذا عجيب)، ويحفظ بعض نوادر ونصائح وأمثال وحكم وأعداد الحساب.

وفي الثانية والثالثة يتعلمون قواعد النحو والصرف مع الاستمرار على المطالعة في الكتب، وحفظ بعض نوادر تركية، ومواد تاريخية وجغرافية، وتكميل العمليات الحسابية، ورسم جميع الأشكال الهندسية، وفهم بعض خواصها وتعريفاتها.

هذا من حيث التعليم، أما من حيث التربية، فوضع لها خططا محكمة، وجه المعلمين إلى العناية بحسن سلوك التلاميذ، ومراعاة صحتهم، فالمعلمون يجب أن يلاحظوا سلوك التلاميذ ونظافتهم، ويضعوا لذلك «نمرا» كل يوم، تجمع مع «نمر» العلوم، ويرتب التلاميذ بحسبها جميعا، ويوضع على كل فصل لوحة كل ستة شهور بأسماء التلاميذ مرتبة حسب متوسط درجاتهم العلمية والخلقية والنظافة.

ويجب أن يكون المأمور (ناظر المدرسة) أبا رحيما مثالا لحسن السلوك والفضائل والشرف، للتلاميذ والمعلمين، وأن يفهم «أنه القائم في وظيفته مقام الحكومة في تأدية ما يلزم من الواجبات، والنائب من طرف الأهالي في الرأفة بأولادهم، ومزاولة أحكامهم، والتحفظ على صحتهم، فهو مسئول عن هؤلاء الأطفال بين يدي الخالق والخلق».

ثم ذكر أن من أهم ما يجب على المعلمين، تربية حواس التلاميذ، فيجب أن يمرنوا حاسة البصر، بأن يؤتى بالطفل ويؤمر بالوقوف عند شباك مفتوح وينظر ما أمامه، ثم يؤمر بالتحول، ويكلف وصف ما رأى بالتفصيل ، ومقدار بعده وارتفاعه ... إلخ، وأن تمرن أذنه، فيعود الطفل - وعيناه مربوطتان - أن يعرف الناس بمجرد سماع أصواتهم ولو غيروها، وعلى معرفة الأشياء بما ينشأ عنها من رنين وحركات، وهكذا وضع خطة لتمرين كل حاسة.

ونصح بعدم التضييق على الأطفال، لميلهم الطبيعي إلى اللعب والحركة، فينبغي انتهاز فرصة ميلهم الطبيعي وتوجيهه إلى توسيع دائرة معلوماتهم وتحسين سلوكهم. •••

هذا مجمل الخطة التي اختطها في تقريره، وسميتها ثورة لبعد الفرق بين ما كان وما أراد «علي مبارك» أن يكون.

ثم أراد أن يخرج الفكرة إلى العمل، فوضع أول كتاب - فيما أعلم - لتعليم القراءة والكتابة والمطالعة على النمط الحديث؛ فالجزء الأول هو الحروف الهجائية في الخطوط المختلفة، ثلث وفارسي ونسخ وتوقيع ورقعة، ثم الحروف متصلة بحروف العلة، ثم الحروف مضبوطة بالحركات، ثم كلمات مركبة من حرفين فثلاثة ... إلخ، ثم كلمات في جسم الإنسان ومراحل عمره، ثم جمل صغيرة، ثم أمثال ومواعظ ونوادر تاريخية، ثم أشكال الحرف الكوفي، وبذلك تم هذا الجزء.

ولم يشأ أن يجعله حروف مطبعة لصعوبتها على التلاميذ، فعهد إلى أكبر خطاط في مصر، وهو «مؤنس أفندي» فكتب هذا كله ونوعه بخطه الجميل، وطبعه على مطبعة الحجر، وتدرج بذلك من كلمات مشكولة إلى كلمات مشكولة بعض الشكل إلى كلمات غير مشكولة؛ فإذا جئنا إلى الجزء الثاني رأيناه مجموعا من الحروف ومطبوعا كذلك، وقد قسمه إلى جملة مجموعات، سمى كل فصل مسامرة؛

فالمجموعة الأولى:

تاريخية اجتماعية.

والثانية:

في الكون وأجزائه من إنسان وحيوان ونبات ومعادن وهواء ونور ونار وزلازل وماء وبخار وندى وسحاب ومطر وشمس وقمر وكسوف وخسوف.

والثالثة:

في الدين وقواعده وأركانه.

والرابعة:

في قوانين الصحة.

والخامسة:

في النصائح والمواعظ والأخلاق الإسلامية.

وبذا يتم الكتاب.

ويذكر في أول الجزء الثاني أنه استعان في أداء هذه الخدمة بقلم السيد صالح مجدي أفندي، والكتاب بجزئيه يصور عقلية القائمين بأمر التعليم في هذا العصر، ويصور أسلوب الكتاب ومنهج تعبيرهم وتفكيرهم، والمثل الذي ينشدونه لأبنائهم، ومقدار ذوقهم في تخير ما يعرضونه على أطفالهم، وفيه موضع لدراسة دقيقة وافية لمدى تقدمنا الآن ومراحل سيرنا، وهل هي تساوي ثمانين عاما أو لا تساوي، وفيه موضع عبرة كيف يتوفر وزير المعارف بجلالة قدره - مع ما عهد إليه من إدارة الأشغال والسكك الحديدية والقناطر الخيرية، يعاونه أشهر الكتاب في ذلك العصر السيد صالح مجدي؛ لوضع كتاب في ألف باء للأطفال بعدا في النظر وشعورا بعظم الواجب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٩٣