تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصدق الجاحظ؛ إذ يقول: «ولو وقفت على جناح بعوضة وقوف معتبر، وتأملته تأمل متفكر، بعد أن تكون ثاقب النظر، سليم الآلة، غواصا على المعاني ... لملأت - مما توجد العبرة من غرائب - الطوامير

1

الطوال، والجلود الواسعة الكبار ... ولتبجست عليك كوامن المعاني ودفائنها، وخفيات الحكم وينابيع العلم ... وقد قال تعالى:

ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ؛ والكلمات في هذا الموضع ليس يريد بها القول والكلام المؤلف من الحروف، وإنما يريد بها النعم والأعاجيب، وما أشبه ذلك، فإن كلا من هذه الفنون لو وقف عليها رجل رقيق اللسان صافي الذهن صحيح الفكر تام الأداة، لما برح أن تحسره المعاني، وتغمره الحكم.». •••

ولكن بجانب هذه المعاني اللطاف والعجائب التي لا تنتهي، نرى الطبيعة كذلك تقسو ولا ترحم، لا تعبأ بالألم يصيب الأحياء، كأنها آلة عمياء، سلحت القوي ومكنته من الضعيف والضعيف من الأضعف، «هذا الأسد يصيد الذئب فيأكله، والذئب يصيد الثعلب فيأكله، والثعلب يصيد القنفذ فيأكله، والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها، والأفعى تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يصيد فراخ الزنابير فيأكلها، والزنابير تصيد النحل فتأكلها، والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها»، والإنسان سلط على الجميع، وسلط بعضه على بعض، إنها لا تندم على إيلام، ولا تحزن لموت، ولا تعبأ أن تكون كلها ساحة قتال، تسلح الغالب والمغلوب، والقوي والضعيف؛ ثم تقف متفرجة على القتال والالتهام، والتنكيل والآلام؛ كأن الأمر لا يعنيها في قليل ولا كثير، وضعت الشهوة في كل حي، وأخضعت لها القوة والمكر والحيلة، وأطلقت لكل أولئك العنان في المنافسة والمحاربة، واتخذت ذلك قانونها وديدنها في كل شيء، من أصغر حيوان إلى أعظم إنسان؛ ثم نفضت يدها من كل ذلك، ووقفت تسجل ولا تتدخل، بل تمد هؤلاء وهؤلاء، حتى لا يفتر النزاع ويبطل الخصام.

هذه أمة آمنة مطمئنة تلهو وتلعب، وتعمل وتسعد، تثور عليها الطبيعة ببركانها وتجعلها في لحظة حمما؛ وهذه مدينة جميلة بسكانها وما عليها زلزلت بها الأرض فخسفت وأصبحت كأن لم تغن بالأمس؛ وهذا مركب يعد خير إعداد، ويوسع أكبر سعة، ويجهز أحسن جهاز، فيبتلعه البحر بمن عليه في لمحة؛ وهذه الأمراض تنتاب الإنسان فلا ترحم طفلا صغيرا ولا شيخا هرما، ولا ترأف بالأم في وحيدها، ولا بالأسرة في عائلها؛ وهذا الموت سلط على كل حي، فذهب بلذته، وطاح بأمله، وهذا الإنسان لعبت به غرائزه، فأشعل نيران الحروب، وأقام كل حين مجزرة هائلة مفزعة، وهكذا حتى أصبحت لذائذ الكائن الحي - وسط هذه الأمواج من الآلام - لحظات خاطفة، ولمعات كوميض البرق. •••

نقرأ الصفحات الأولى من الطبيعة، فنرى الجمال والجلال، والحسن والانسجام، والعظمة ودقة الصنع، وعجائب الغريزة؛ ونقرأ الصفحات الثانية فنرى القسوة والفظاعة والتعذيب والإيلام.

من قديم حار العقل في تفسير هذه الظواهر المتناقضة كيف يكون من الطبيعة بجانب هذه الحكمة هذا السفه؟ وكيف يكون بجوار هذه الرحمة هذه القسوة، وكيف يكون مصدر هذه اللذائذ مصدر هذه الآلام.

لقد ذهب بعض علماء الدين إلى أن نقمة الطبيعة من غضب الله على الإنسان إذا خالف أمره وارتكب ما نهاه عنه؛ ولكن - مع الأسف - لم نر هذا مطردا، فقد ينعم في هذه الدنيا الماكر المخادع، والغادر المنافق، ويألم المؤمن الورع والتقي الصالح؛ وكما قال الأول:

قد يقتر الحول التق

ي ويكثر الحمق الأثيم

ومن أجل هذا جرى على ألسنة الناس المثل المعروف: «المؤمن مصاب».

وذهب بعض الطبيعيين المحدثين إلى أن الألم يصيب الإنسان إنما هو تحذير من الأخطار المستقبلة؛ فصداع الرأس علامة مرض تنبه الإنسان إلى وجوب ملافاته، والمغص كذلك، والرمد كذلك؛ وهذا التعليل أيضا ليس صادقا دائما، وإن صدق في آلام الإنسان فما تفسير إيلام الطبيعة بأحداثها؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٩٠