تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وينظر السلطان فيرى أن خير من في البلد راحل من مصر، وأن مصر لا تصلح بعد خروجهم، وأن من بقي بعدهم باق على مضض، فكيف يستقيم ملك مع هذا كله؟ فإما أن يرجع الشيخ وإما أن يضيع الملك.

لا بد مما ليس منه بد، هذا السلطان يخرج مسرعا ويلقى الشيخ في طريقه فيستسمحه ويرجوه في العودة، فيأبى الشيخ إلا أن ينفذ البيع في الأمراء، فيقبل السلطان ويعود الشيخ. •••

علم نائب السلطنة أنه سيباع فيمن يباع؛ فهاج وغلى الدم في عروقه، واعتزم ألا يتم ذلك بأي وسيلة، فركب فرسه وجرد سيفه، وقصد إلى الشيخ يحتز رأسه وقرع الباب، وأبلغ الشيخ أن نائب السلطنة حضر وسيفه مسلول يريد قتله؛ فنزل الشيخ في هدوء واطمئنان وثبات، وهو يقول: «أنا أقل من أن أقتل في سبيل الله.» فما رآه نائب السلطنة حتى تمازجت في نفسه مشاعر مختلفة: هيبة الشيخ ووقاره، والخوف من نقمة الناس وهياجهم عليه حتى لقد يفقد نفسه، والرحمة على شيخ مسن لم يقل ما يقول شهوة لنفسه، ولكن إرضاء لدينه، فيبست يده على سيفه، وتخاذلت عزيمته وعاد كما أتى. •••

هذا هو مجلس البيع يعقد، وهؤلاء هم الأمراء ينادى عليهم، وهذا هو الشيخ يقبل ثمنا ويرفض ثمنا، حتى يبلغ ثمن المثل، وهذا هو يقبض المال، وهذا هو يودعه في بيت مال المسلمين، وهذا هو يبلغ ذروته في المجد والعظمة، ويحتل في نفوس الناس مكانا لا يحتله أحد من بعده.

لقد مات الشيخ فخرجت مصر تشيعه، وتشيع الصلابة في الحق، والعظمة في الدين والإخلاص للعقيدة.

ويطل الظاهر بيبرس، فيرى مصر وراء جنازة الشيخ وقلبها يتفجع لفقده، فيلتفت إلى بعض خواصه ويقول: «اليوم فقط طاب ملكي.».

الفصل السابع

| نظرة في الكون

ما أجمل الطبيعة، وما أجلها، وما أحكمها، وما أغناها!

هذه حبة واحدة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة،

وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ، وهذه الأرض يصيبها الماء فتخرج من الأزهار ومن بدائع الألوان، في الجبال وفي الوديان وفي الغابات، ما يسحر العين ويأخذ باللب؛ وهذا المحار في البحار ينشق عن نصفين منسجمين متساويين في النقوش والألوان والتعاريج يعجز عن تقليدهما أمهر فنان؛ وهذا الفم الذي يأكل ويقضم يخرج الدر من الحكم، والطيب من الكلم؛ وهذه الشجرة العظيمة الضخمة خرجت من بذرة؛ وهذا الإنسان العجيب نشأ من ماء مهين!

هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون * وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون * وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون .

وهكذا من ملايين وملايين من العجائب، قلل عجبنا منها إلفنا لها وأنسنا بها.

ومن أعجب هذا الباب ما يأتي من باب الغرائز! فهذا ضرب من الأسماك يسافر آلاف الأميال إلى حيث يجد المكان الملائم لنسله، فإذا ماتت الكبار عادت الصغار إلى مكان آبائها بهاد من غريزتها؛ وهذه الطيور تحشد في الربيع والخريف جماعات، وتقطع الجبال الشامخة والبحار الشاسعة لتصل إلى الأقاليم الملائمة؛ ما الذي دلها على الطريق في ذهابها وإيابها، ولا علامات ولا دلالات؟ إنها الغريزة العجيبة التي تدل حمام الزاجل على مأواه والقط على مسكنه، إنها الغريزة التي تحمل كل حي من نبات وحيوان وإنسان على أن يأتي بمختلف الوسائل والأعاجيب ليحفظ نفسه ويحفظ نوعه.

إن أعمال الطبيعة وأعاجيبها ونظامها ودقتها فوق أفهامنا، وفوق منطقنا وتفكيرنا وتعليلنا، كل صغير مما لا يرى إلا بالمكرسكوب، أو كبير يرى بالتليسكوب، يحيا حياة عجيبة يدق سرها عن الفهم، ويقصر عن إدراكها العقل، الحبة في الأرض، والذرة في الهواء، والسمكة في الماء، والنجم في السماء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٨٩