تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان صاحبنا عبد العزيز بن عبد السلام من هذا القليل الذي فني في الحق وأخلص لدينه، فلا يقدر عاقبة نفسه، وإنما يقدر عاقبة أمته وموقفه بين يدي ربه. •••

لقد اشتد التتار في الغزو واجتاحوا البلاد، ووصلوا إلى «عين جالوت»، ولا بد لمصر أن تقف أمامهم وترد كيدهم؛ ولكن العدو شديد وعدده وفير، والقوة لا تدفع إلا بالقوة والعدد بالعدد والعدة بالعدة، وهذا يتطلب أن تبذل الأمة أقصى ما تستطيع من المال في سبيل المكافحة، والعلماء هم الذين يستطيعون أن يقنعوها بالإنفاق من طريق الدعوة الإسلامية والغيرة الدينية.

فهذا الملك المظفر سيف الدين قطز يجمع العلماء بحضرته، وعلى رأسهم عبد العزيز بن عبد السلام، ليتدبروا في المال كيف يجمعونه، والعاطفة الدينية كيف يستفزونها؛ فيقف الشيخ ويقول: «يجب أولا أن تخرجوا ما في بيوتكم من حلي لا حصر لها، وما في بيوت أمرائكم وجنودكم من الثياب المزركشة والمناطق المذهبة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة في أيديكم وأيدي أتباعكم ومماليككم، ثم تذيبوها وتضربوها نقودا وتنفقوا منها على إعداد الجيش وتموينه؛ فإذا تم ذلك واحتجتم إلى مال بعد فكلنا على استعداد - إذا - أن نطلب من الناس أن ينفقوا، ومن العامة أن يخرجوا عما في أيديهم، أما أن تبقوا على ما في أيديكم من أنواع الترف والسرف، ونطلب من الناس أن يتبرعوا بما في أيديهم من ضرورات الحياة فلا، يجب أن يسوى الأمراء بالرعية فيما يملكون، فإذا تساووا وجب الإنفاق من الجميع.» وإذا قال الشيخ لا فلا، ولا رجعة فيها، والأمة وراءه.

فاضطر الملك أن ينفذ ما قال، فخرجت الأكداس المكدسة من الحلي والثياب المزركشة، وانتزع الذهب والفضة من السيوف والأواني، وصيغا سكة فكفت وأغنت، ولم يحتج إلى أن يمس الناس في شيء من أموالهم. •••

ثم كانت الحادثة العجيبة الجريئة التي أقامت الدنيا وأقعدتها، هؤلاء جماعة من المماليك دفعت أثمانهم عند الشراء من بيت المال ثم لم يعتقوا، والشيخ في منصب القضاء والمشرف على بيت المال، والمسئول عن مال المسلمين وصحة الأحكام الشرعية، وهؤلاء المماليك أصبحوا أمراء بارزين وبيدهم الحل والعقد، ومنهم من بلغ أن يكون نائب السلطنة، وجاههم عريض وأمرهم نافذ؛ ولكن الشيخ لا يأبه بذلك كله، ويحدث أزمة حادة قل أن يكون لها مثيل، أعلن الشيخ أنهم أرقاء لا يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا زواجا، فتعطلت مصالحهم؛ فهم إن ملكوا لا يسجل لهم ملكا، وإن تزوجوا لا يعقد لهم زواجا، ثم هم أهينوا في أنفسهم وشرفهم وجاههم بدعوى رقهم؛ ولكن الشيخ واقف وقفة الأسد لا يلين ولا يتزحزح. - وما الحل أيها الشيخ؟ - الحل أن يباعوا في الأسواق ويتزايد الناس في شرائهم، ومن ملكهم إن شاء أعتقهم وإن شاء استرقهم، وثمنهم يدخل في بيت مال المسلمين كما خرج منه. - هذا غير معقول، نائب السلطنة يباع؟ ومن هم أسياد البلد يصبحون عبيدا كالسلع يباعون ويشترون، هذا ما لا يكون ولا يدخل في عقل!

الشيخ: هذا حكم الله وكلنا عبيده وعبيد أحكامه، وأنا القيم على تنفيذها.

والمسألة كل يوم تتسع وتتحرج، وينقسم الناس حزبين: طبقة الأرستقراطية والحكام والسلطان في جانب، والشعب وعلى رأسه الشيخ في جانب، والمجالس تعقد والأزمة تستحكم، والحلول تعرض، والشيخ يأبى إلا بيع الأمراء. •••

غضب السلطان واحتد على الشيخ، وأعلن أنه لا يعمل برأيه.

ها هي الحمير تعد، ومتاع الشيخ يزم، والشيخ يعتزم الخروج من مصر كما خرج من قبل من الشام، ويطير الخبر، فيعتزم كثير من الأعيان والعلماء والتلاميذ الخروج مع الشيخ والرحيل معه متى رحل، والإقامة معه حيث يقيم؛ وإذا البلد في حركة عجيبة وفوران شديد؛ وإذا طائفة كبيرة من العلماء والصلحاء والتجار بنسائهم وأولادهم وأمتعتهم يستعدون للرحيل، وإذا العزم يصبح تنفيذا، فها هي قافلة كقافلة الحج تخرج من مصر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٨٨