تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حارب المسلمون في البر والنيل، وانكسر الصليبيون، وأسر لويس التاسع واعتقل في دار ابن لقمان القائمة بالمنصورة إلى اليوم، وبعثت الكتب إلى الأمصار تبشر المسلمين بالظفر بالعدو وتقول في وصفه: «وكان قد استفحل أمره، واستحكم شره، ويئس العباد من البلاد، والأهل والأولاد، فنودوا: لا تيأسوا من روح الله ... فانتصرنا عليهم، فتركوا خيامهم وأموالهم وأثقالهم ... وما زال السيف يعمل في أدبارهم عامة الليل، وقد حل بهم الخزي والويل، فلما أصبحنا قتلنا منهم ثلاثين ألفا، غير من ألقى نفسه في اللجج، وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حرج، وطلب الفرنسيس (لويس التاسع) الأمان فأمناه، وأخذناه وأكرمناه، وتسلمنا دمياط بعون الله وقوته وجلاله وعظمته.».

ورجع الجيش ظافرا منصورا، وعاد الشيخ عز الدين فرحا مسرورا.

الفصل السادس

| سلطان العلماء (3)

التاريخ يعيد نفسه، فقد نبتت فكرة استعانة الخلفاء بالموالي من الأتراك وغيرهم في العصر العباسي، يجندونهم أيام الحرب، ويتخذونهم زينة لهم وأبهة لملكهم أيام السلم، يخضعون بهم الخارجين عليهم لما عرف من بأسهم، ويتخذونهم عدة لهم في أيام شدتهم، وبدأ يفعل ذلك المهدي والرشيد، واستكثر منهم المعتصم، حتى ضاقت بهم بغداد، فاتخذ لهم مدينة سامرا ، وما زالوا يقوون ويستولون على شئون الدولة شيئا فشيئا حتى صاروا كل شيء، ولم يبق للخلافة شيء.

كذلك فعلت الدولة الأيوبية، فاستكثر منهم صلاح الدين الأيوبي وأخوه العادل، ثم من أتى بعدهم، حتى بالغ الصالح نجم الدين أيوب في ذلك، وحتى كان كل عسكره من هؤلاء الموالي، ثم ضاقت بهم القاهرة كما ضاقت بغداد بإخوانهم من قبل؛ فاتخذ الصالح أيوب لهم مكانا في الروضة إزاء المقياس، ثم استفحل أمرهم أيضا، فكان لهم الملك والسلطان، وزالت على أيديهم دولة الأيوبيين.

كان هؤلاء الموالي من ترك وتركمان وأرمن وروم وجركس وغيرهم، وكانوا يصلون إلى أيدي الأيوبيين إما عن طريق الأسر في الحروب، وإما عن طريق تجارة الرقيق، وكانت تجارة رابحة واسعة منظمة، تستخدم في ذلك البر والبحر، ويورد النخاسون من الرقيق أشكالا وألوانا؛ فهؤلاء جنود ضخام شداد يصلحون للقتال في البر والبحر، وهؤلاء غلمان حسان يملكهم الأمراء ويلازمونهم، وهم يتجملون بالملابس ويتزينون تزين النساء، ويفتنون الناس بجمالهم وزينتهم، وهؤلاء جوار كاللآلي، عيون نجل وشعور شقراء وبياض مشرب بحمرة وقدود حسان، والبريد كل حين يحمل ما يتمنى الأمير من مماليك وجوار، والمراكب تحمل المئات من هؤلاء وهؤلاء.

وقد كثرت في تلك الأيام هذه التجارة؛ لأن غزو التتار قد هيج هذه البلدان، وأوقع بالترك والجفجاق والروس والأرمن، فشرد السكان، وخرجوا هائمين على وجوههم، فمنهم من قتل ومنهم من سبي، وكثير ممن سبي شحن إلى مصر بلاد الغنى والترف والرخاء، وهي التي تقوم الجندية وتقوم الجمال.

يأتون كلهم إلى مصر ولا يعلمون شيئا من العربية ولا من الإسلام ولا من تقاليد الأمة، فيأخذ الأيوبيون في تعليمهم كل ذلك، والجند يمرنون على المناضلة بالسهام والمسالحة بالسيوف والرمي في البر والبحر، والغلمان والجواري يمرنون في القصور حتى ترق حاشيتهم وتتهذب طباعهم وتصقل عاداتهم؛ فما هو إلا قليل حتى يملكوا زمام الأمور في الحكومة، وزمام الأسر في البيوت، ويرقى المملوك حتى يكون السلطان أو نائب السلطان، وترقى المرأة حتى تكون شجرة الدر، ثم هؤلاء المماليك ينقسمون أقساما ويتشعبون شعبا، ويختلفون نسبا؛ فهؤلاء العزيزية مماليك العزيز عثمان بن صلاح الدين، وهؤلاء الصالحية نسبة إلى الصالح نجم الدين ... إلخ، وكل فرقة تتعصب لسيدها وتتحزب ضد خصمها. •••

أصبح الناس في مصر في ذلك العهد - عهد آخر الدولة الأيوبية وعهد المماليك - ينقسمون قسمين متميزين: عنصر المماليك من أتراك وأرمن وما إليها، وفي يدهم أغلب المناصب الحكومية وأمر الجيش، ومنهم أغلب الجنود، وعنصر الشعب المصري، وهؤلاء هم الفلاحون والتجار والصناع، وعلى الجملة هم القائمون بالحركة الاقتصادية في البلاد، وأحيانا يجند منهم جنود إذا اشتد الأمر وجد الجد، وهناك طبقة العلماء، وهؤلاء يكادون يكونون حلقة الاتصال بين الطبقتين الأوليين؛ فطبقة الشعب تحتاجهم في أخذ الدين والعلم عنهم والاستشفاع بهم عند الولاة والأمراء، وإيصال شكاياتهم وتبليغ رغباتهم وما إلى ذلك، وطبقة الأمراء تحتاجهم في بعض المناصب الحكومية كالقضاء والخطابة والإمامة، وتحتاجهم في تنفيذ رغباتهم؛ لأنهم مسموعو الكلمة عند الشعب، فالشعب يطيعهم من قلبه ويطيع الأمراء من خوفه، والأمر إذا جاء من قبل الدين فالناس له أطوع، وقيادهم له أسلس، من أجل هذا كانت تلتقي في العلماء رغبات الشعب ورغبات السلاطين والأمراء؛ فإذا ضج الشعب من شيء وسطوا العلماء، وإذا احتاج الأمراء إلى مال من الشعب وسطوا العلماء، وكان كثير من العلماء يخضعون للولاة والأمراء أكثر مما يخضعون لله، فهم يتحسسون رغباتهم ليجاروهم في أهوائهم، ويؤولون أوامر الدين ونواهيه حسب مطالبهم، ويقلبون صفحات كتب المذاهب ليعثروا على قول لأحد الفقهاء يجاري رغبة الأمراء، وقليل منهم قد باع دنياه لآخرته، ورضا الأمراء لرضا ربه، فلا يهمه ماله بقي أم صودر، ولا تهمه حريته أطلق أم سجن، بل لا تهمه نفسه حي أم قتل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٨٧