هذه قلة ذوق لا ترضي أحدا، أفيليق أن تستخدم بيوت الله بيوتا للجند؟ وأن يؤذن المؤذن للصلاة والجنود تنفخ في بوقها، وتزمر بمزمارها، وتضرب بكاساتها؟ إن في هذا إفسادا لسكون العابد، وانتهاكا لحرمة الصلاة، وكان في الأرض ذات الطول والعرض ما يسع الطبل والزمر بعيدا عن بيوت الله، ولكنه الغرور بالجاه الذي لا يعبأ بشيء.
وآذان المغرورين لا تسمع لنصح ناصح، ولا عظة واعظ، فما هو إلا أن يأخذ «عز الدين» أولاده وتلاميذه وأتباعه وبيدهم الفئوس والمعاول، وإذا بحركة هدم عنيفة تقضي على الطبلخاناه في لمحة، وإذا الشيخ عائد إلى منزله بعد أن أبعد عن المسجد الطبل والزمر، ويصبح الصباح فيذهب إلى مكان القضاء فيحكم على «فخر الدين» بإسقاط عدالته وعدم قبول شهادته، ثم يسجل ذلك ويكتب استقالته ويرفعها إلى السلطان فيقبلها، ويجلس في بيته راضيا عن عمله مخلصا لربه.
وتذيع الحادثة، وترد على كل لسان في مصر، ويعجب المصريون بالشيخ وصلابته في الحق، وتضحيته، بمناصبه حسبة لله؛ ويتنقل الخبر من مصر إلى الشام، ومن الشام إلى بغداد، حتى يصل إلى أذن الخليفة، فيكبر الشيخ ويجله، وتشاء الأقدار أن يبعث السلطان برسالة إلى الخليفة؛ فيسأل الرسول: هل سمعتها من الرسول مشافهة؟ فيقول الرسول: لا، ولكن سمعتها من أستاذ الدار فخر الدين عثمان، فيقول الخليفة: لا أقبلها؛ لأن عز الدين أسقط فخر الدين فلا تقبل روايته. •••
استراح الشيخ من عناء المناصب الحكومية، وتفرغ للدرس، والتف حوله نوابغ الطلبة الذين تصدروا للعلم في الجيل التالي، كابن دقيق العيد، وعلاء الدين الباجي، وهبة الله القفطي؛ فهو يدرس فقه الشافعية، وتتحلق حوله الطلبة يناظرون ويتفقهون ويستفتون، والشيخ في بيته يحضر دروسه، وفي المسجد يلقي دروسه، وكلهم معجب بصفاء ذهنه، وصدق نظره في الاستنتاج الفقهي، وسعة اطلاعه، وفي لحظة إعجاب قال تلميذه «ابن دقيق العيد»: إنه «سلطان العلماء»، فصادفت هوى من نفوس السامعين، وشاعت على الألسنة ولبست الشيخ، كما قرر صديقه ابن الحاجب أنه أفقه من الغزالي، وأصبح الشيخ مصدر حركة علمية واسعة في مصر، في الفقه والتوحيد والتصوف، وتأتيه الأسئلة الدينية من الأقطار الإسلامية فيفتي فيها، ويخطئ مرة في فتواه، فيرسل من ينادي في مجتمعات الناس: إن الشيخ أفتى بكذا، فلا يؤخذ به؛ لأنه قد أخطأ في الفتوى. •••
ولكن اضطربت البلاد بغزو الصليبيين لمصر، فجمع لويس التاسع (ملك فرنسا) الجنود، وأعد الأسطول، وقاد ذلك كله بنفسه، وإذا بسبع مئة سفينة حربية صليبية محملة بالجنود وآلات القتال تظهر أمام دمياط، فيهرع أهلها إلى المنصورة، وتأتي الأخبار إلى مصر بأن الصليبيين أخذوا برج السلسلة (وهو برج عال مبني في وسط النيل، ومن ناحيتيه سلسلتان عظيمتان إحداهما تمتد منه إلى دمياط، والأخرى منه إلى البحيرة، تمنع كل سلسلة عبور المراكب من ناحيتها، وكانوا يسمون - بحق - هذا البرج بسلاسله «قفل الديار المصرية»، ونزل الصليبيون دمياط وتوجهوا إلى المنصورة. •••
تحول الشيخ عز الدين من عالم مدرس في المسجد إلى خطيب في المجتمعات يحرض على القتال، ويؤلب المسلمين على الصليبيين، ويستحث الأمراء على السرعة في الإعداد، والشعب على الإمداد، ويقوم بما تقوم به الآن الدعاية، مع فارق واحد، وهو تأسيس الدعاية؛ إذ ذاك على العزة الدينية والغيرة الإسلامية.
وها هي الدعوة تستجاب، والعدة تعد، وينضم إلى جيوش الأمراء والمماليك وجنودهم طائفة كبيرة من العربان ومن عامة الشعب المصري، وإذا الشيخ عز الدين - الرجل الأشيب المسن - يسافر مع العسكر إلى المنصورة، وينضم في صفوفهم، ويخطب فيهم، والجنود إذا رأوه ازدادوا حماسة وقوة، وامتلئوا أملا في الله، وعقيدة في النصر.