هاج الشيخ وغضب واحمر وجهه، وصاح في الرسول: «يا مسكين، والله ما أرضاه أن يقبل يدي فضلا عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به.».
هؤلاء ملوك المسلمين في الشام يعبثون بحقوق المسلمين، ويسلمون الصليبيين الحصون والقلاع، ويسمحون لهم بشراء السلاح من بلادهم اليوم ليحاربوهم به غدا، والشيخ في اعتقاله في خيمته، يحز في قلبه الألم مما صار إليه حال المسلمين، فيعكف على القرآن يتلوه وعلى العلم يدرسه، ويمر الملك الصالح إسماعيل الذي فعل تلك الأفاعيل مع ملك الفرنج من الصليبيين على الشيخ في خيمته، فيفتخر الملك ويزهى بعمله ويقول: «هذا أكبر قسوس المسلمين، اعتقلته؛ لأنه أنكر علي تسليمي لكم حصون المسلمين، وعزلته عن الخطابة وعن مناصبه، ثم أخرجته من دمشق، وأبعدته هنا في بيت المقدس، كل هذا لأجلكم وحبا في رضاكم.».
قال ملك الفرنج: لو كان هذا قسيسنا لتشفعنا به وتبركنا بماء طهوره.
وانتصرت العساكر المصرية فأطلق سراح الشيخ، فأبى أن يكون في دمشق، حيث رأى ما رأى.
وفي سنة 639 رؤيت قافلة فيها شيخ أبيض اللحية مهيب وقور، يتجاوز الستين قليلا، ومعه صديق له يبدو عليه أنه مصري اسمه ابن الحاجب
1 ، وفيها أسرتهما وأمتعتهما وأتباعهما، تجتاز بلاد الشام قاصدة مصر.
الفصل الخامس
| سلطان العلماء (2)
دخل عز الدين بن عبد السلام مصر، وقد سبقته شهرته بالعلم الواسع في مذهب الشافعية، وبغيرته الدينية وبعظمته الخلقية، وكان يعرفه بذلك كله ملك مصر «نجم الدين أيوب»، فولاه الخطابة في جامع عمرو بن العاص، وقلده القضاء في مصر (الفسطاط) والوجه القبلي (أما القاهرة فأفرد لها قاضيا خاصا) وعهد إليه بعمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة.
وزاره المحدث الكبير وعالم مصر العظيم «عبد العظيم المنذري» فرأى من عز الدين فقها غزيرا وعلما كثيرا، ورأى عز الدين من عبد العظيم بحرا في الحديث وعلمه، فامتنع «عبد العظيم» من الفتوى وقال: لا أفتي وعز الدين بها، وامتنع عز الدين من «الحديث» وقال: لا أحدث وعبد العظيم بها.
وسرعان ما شاهد الناس من «عز الدين» فصاحته في الخطابة، وعلمه بأسرار الفقه وإخلاصه في عمارة المساجد، ونزاهته في القضاء، وصلابته في الحق، فكانت مكانته في مصر كمكانته في الشام.
ولكن هذه المناصب مع هذه الأخلاق لا بد أن تصطدم بذوي الرغائب وأولي الجاه والسلطان، فالحق مر لا يحلو في ذوقهم، والعدل ثقيل لا تهضمه نفوسهم، فما لقيه في الشام بدأ يلقاه في مصر.
هذا السلطان أيوب تقبل الأرض بين يديه، فيستفظع «عز الدين» هذا العمل أيما استفظاع، ويستنكره في صراحة أمام السلطان وأمام الحاشية وأمام الجمهور، ويخشى أخصاؤه عليه من هذه الجرأة فيقول: «لقد استحضرت هيبة الله فرأيت السلطان أمامي قطا.» ويطيع السلطان أمره وتنتهي المسألة بسلام.
ولكن كل يوم أحداث تؤلم الشيخ وتثير غضبه.
كان في منصب «أستاذ الدار» فخر الدين عثمان بن شيخ الشيوخ، وقد كان عظيما في منصبه، فهو القيم على الدواوين؛ والواسطة بين الرعية والسلطان، والمشرف على تحصيل الأموال من الملاك والمزارعين، والمتسلط على كثير من شئون الدولة، كما كان عظيما في جاهه فأولاد شيخ الشيوخ الأربعة متقلدون أهم المناصب، مقربون إلى السلطان؛ لأنهم إخوته من الرضاع.
هذا فخر الدين
1 - وهو ما قد رأيت - يعمد إلى مسجد من مساجد مصر، فيبني فوقه بناء يتخذه «طبلخاناه» تضرب فيه الطبول، وتنفخ فيه الأبواق، وتزمر المزامير لاستدعاء الجند والإعلام بالنوبة، وكان لكل أمير «طبلخاناه» لجنده، تضرب فيها الصنج من النحاس بإيقاعات خاصة يدل كل إيقاع على معنى، فإذا خرج الجند للقتال صحبت كل فرقة «طبلخاناتها» تحمسهم للقتال، وتفهمهم حركات الحرب من تقدم أو تأخر، أو تجمع، أو نحو ذلك، ففخر الدين يبني هذه الطبلخاناه لأخيه عماد الدين، فالناس تحت في صلاة، والجنود فوق رءوسهم يطبلون ويزمرون، ويفسدون عليهم عباداتهم.