لكن في كل عصر سخافات تستوجب الضحك، لولا أنها تحدث في مأتم، فهؤلاء ضيقو العقول من الحنابلة - والدولة كلها معرضة لخطر الغزو من عدوين لدودين قويين: وهما التتار والصليبيون - يعيدون فتنة خلق القرآن والكلام فيها كما كانت أيام المأمون والمعتصم والواثق؛ فهم يزعمون أن كلام الله القديم هو ما نقرؤه بألسنتنا، ونكتبه بمدادنا، ونخطه في أوراقنا، وترمقه عيوننا، والأشعرية من أهل السنة يرون أن كلام الله الأزلي القديم ليس بحرف ولا صوت، وإنما ألفاظنا وكتابتنا ومصاحفنا دلالة عليه، فيجب احترامها لدلالتها على كلامه، كما يجب احترام أسمائه لدلالتها على ذاته.
وتقوم الثورة في هذا بين الحنابلة والأشعرية، ويتبادلون السب والضرب، فهنا في دمشق مجادلات حارة ومناقشات حامية: هل الحروف والأصوات كلام الله؟ وهناك على مقربة منهم في صفوف الصليبيين دعوة حارة أخرى لتنظيم الآلات، وإعداد المعدات، وتوحيد الصفوف؛ هنا كلام وخصام في الكلام ودعوة إلى الانقسام، وهناك عمل وإعداد وسيوف وقنابل ودعوة إلى الوئام.
ويشتد النزاع بين الحنابلة والأشعرية: المكتوب والمقروء كلام الله؛ ليس المكتوب والمقروء كلام الله. كلمات يعلو بها صوت الناس في المساجد والشوارع والبيوت، ويتزعم فريق الأشعرية عالمنا، وأعوان السلطان منقسمون كذلك إلى قسمين، والسلطان يسمع من هؤلاء اتهاما ومن هؤلاء اتهاما: هؤلاء يتهمون الأشعرية بأنهم يستهينون بالمصحف، وهؤلاء يتهمون الحنابلة بأنهم مجسدة، ويعكف العلماء من هؤلاء وهؤلاء على تأليف الرسائل واستنباط الأدلة، وأخيرا يحار السلطان بينهم فيأمر بقطع الكلام في هذا الموضوع بتاتا، ويأمر الشيخ عز الدين بأمور ثلاثة: ألا يفتي، وألا يجتمع بأحد، وأن يلزم بيته، فلما جاء الملك الكامل في مصر وسمع ما جرى قال للملك الأشرف: ما فعلت أكثر من أنك سويت بين أهل الحق والباطل، وحرضه على القول برأي الأشعرية ونصرة الشيخ عز الدين، ففعل وشدد على الحنابلة فسكنوا، وانتهت المشكلة بعد أن أخذت من قوتهم وأكلت من تفكيرهم، وعاد عز الدين إلى مجده وسلطانه. •••
أخذ الشيخ يدعو دعوته الأولى إلى أن يتحد سلاطين الأيوبيين وتتحد كلمة المسلمين، ويخطب في ذلك على منبر دمشق ويختم خطبته - في العادة - بقوله: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا، تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك.» والناس وراءه يبتهلون ابتهاله ويدعون بدعائه حتى ترتفع أصواتهم إلى عنان السماء.
وكان يقول: «كل جندي لا يخاطر بنفسه فليس بجندي.» و«المخاطرة بالنفوس مشروعة لإعزاز الدين.» و«ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأهمل الصواب أن يبذل جهده في نصرهما، ومن آثر الله على نفسه آثره الله، ومن طلب رضا الله بما يسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن طلب رضا الناس بما يسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، وفي رضا الله كفاية عن رضا كل أحد.».
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
هذا بعض ما كان يقوله الشيخ، ولكن من كان يظن أن هذا القول الصريح الذي لا مجمجة فيه ولا إبهام يؤول بأنه يريد به نصرة بعض الأيوبيين على بعض، ومن كان يظن أن هذه الدعوة التي يبذلها الشيخ إلى الاتحاد تنتكس ولا يستجاب لها، وتنتهي بأن الملك الصالح إسماعيل يصالح الصليبيين على أن يسلم لهم صفدا والشقيف وغير ذلك من حصون المسلمين لينجدوه على الملك الصالح نجم الدين أيوب، ومن كان يظن أن الشيخ لا تسمع دعوته، فيرى المسلمين في دمشق يبيعون السلاح للصليبيين ليقاتلوا به عباد الله المؤمنين؟
لقد صرخ الشيخ من أعماق قلبه مستنكرا هذا الأحوال، مستغيثا بالله من هذه المخازي والأهوال؛ فاعتقل وعذب، فما بالى باعتقال ولا بعذاب، وجاءه رسول من قبل الصالح إسماعيل يحتال عليه كما يحتال الشيطان ويوسوس له ويخوفه ويمنيه؛ وأخيرا يقول له: «ليس بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وأكثر منها إلا أن تطأطئ رأسك للسلطان وتقبل يده.».