وثاني الأمرين أني لمست في حديث كل منكم طغيان الشعور ب «أنا» وضعف الشعور ب «نحن»؛ إن «أنا» مبعث الاحتكاك والنزاع والخصام، فمتى برزت «أنا» في الميدان قابلتها «أنوات» أخرى تعاكسها وتحاربها، أما «نحن» فليس لها محارب؛ لأنها تعبير عن الجميع، إذا قلت: أنا ضحيت؛ قال الآخر: أنا ضحيت، وإذا قلت: أنا فعلت، قال الآخر: أنا فعلت، ولكن إن قلتم جميعا «نحن» لم تكونوا في حاجة إلى «نحن» أخرى تعارضها.
إنكم في أسرتكم كالهواء في منزلكم، وأشعة الشمس تغمر حجركم، والروحانية ترفرف عليكم، إنها تسعكم جميعا من غير نزاع، فكونوا كالهواء سعة، وأشعة الشمس امتدادا، والروحانية شمولا، تضمر «أنا» فيضمر النزاع، ويضمر المن بالتضحية، إن «أنا» مظلمة ظلمة السجن، ضيقة ضيق القبر، و«نحن» شاملة شمول الشمس، منعشة إنعاش النسيم، سمحة سماح الكريم. •••
نزل كلام الشيخ بردا وسلاما على الجميع، كما استقبلوه بالتبجيل والتعظيم، وعاد كل إلى مأواه يفسر كلام الشيخ بما يهواه، وكل يغني على ليلاه.
الفصل الرابع
| سلطان العلماء (1)
هذا لقب لقبه به تلاميذه لما رأوا من سعة علمه، وعظمة خلقه، فسار اللقب في الناس، وأصبح في البلاد سلطانان: سلطان الدولة، وسلطان العلماء، وكان السلطانان أحيانا ينسجمان ويتصالحان، وأحيانا يتصارعان ويتصادمان؛ فيكون لصراعهما منظر رهيب كمنظر الجيوش إذا تقاتلت، والسباع إذا تصاولت، والديكة إذا تهارشت، وأكثر ما يدعو المنظر إلى الإعجاب إذا رأيت المحارب غير المسلح يغلب المحارب المسلح، وسلطان الدنيا بجنوده يخضع لسلطان الدين وليس له جنود ولا بنود إلا قوة الخلق، وقوة الحق، وقوة اليقين.
عمر «سلطان العلماء» هذا عمرا طويلا عريضا، فقد عاش ثلاثة وثمانين عاما، والأعوام وإن اتحدت في الطول فهي تختلف في العرض، فهناك أعوام طويلة لا عرض لها، وهناك أعوام طويلة عريضة، وهناك أعوام عقيم، وأعوام ولود، وأعوام «عالمنا» هذه أعوام خصبة طالما ولدت الأحداث العظام، والخطوب الجلى؛ فقد شاهدت دولة الأيوبيين في هرمها وآخر أيامها، وشاهدت دولة المماليك البحرية في نشأتها وعزها، وشاهدت بعض الحملات الصليبية على الشرق ومقاومته لها، وشاهدت حملة التتار على الممالك الإسلامية واكتساحهم لها، ووقوف مصر أمامهم تصد هجماتهم وتكسر شوكتهم، وشاهدت سقوط الخلافة العباسية في بغداد وانتقالها إلى القاهرة.
ذلك كله شاهدته حياة «عالمنا» الدمشقي، فقد ولد سنة 577، وتوفي سنة 660ه، لقد نشأ في دمشق فقيرا يعمل بيديه ليكسب عيشه ويحصل قوته، يبيت في مسجد دمشق؛ إذ لم يجد له مأوى، وظل على هذا حتى صار شابا، ثم حبب إليه أن يتعلم وهو كبير فقير، فمارس العلم وسرعان ما نبغ فيه، ولفت النظر إليه، وجمع إلى العلم التصوف، فيأخذ العلم عن شيوخه، والتصوف عن رجاله، ويكسبه العلم سعة في عقله وصقلا لذهنه، ويفيده التصوف صفاء في قلبه، ونورا في روحه، وقناعة وطمأنينة في نفسه، وزهدا في نعيم الدنيا، وحبا لله وطلبا لرضاه؛ فهو إذا تكلم رأيت علما غزيرا من دراسته، ورأيت إخلاصا من تصوفه، ورأيت هيبة وجلالا، ونفوذا لكلامه إلى قلوب سامعيه من قوة يقينه وصفاء روحه، وإذا بعالمنا «عبد العزيز بن عبد السلام، أو عز الدين بن عبد السلام» الذي كان يعمل بيديه نهارا، ويفترش أرض المسجد ليلا، خطيب الجامع الأموي وإمامه، وقبلة الناس ومنارهم، ومعقد رجائهم.
لقد رمى بنظره بعد أن نضج عقله، فرأى حال الدولة تدعو إلى الأسى، هذه الأسرة الأيوبية تقسم أبناؤها المملكة، ففرع في مصر، وفرع في دمشق، وفرع في حلب، وفرع فيما بين النهرين، وفرع في حماة، وفرع في حمص، وفرع في جزيرة العرب، وبين بعضهم وبعض إحن وعداء، وحزازة ودماء، والصليبيون على الأبواب، والتتار يتحفزون للوثوب، ولا قبل لهم بذلك كله إلا أن تذهب حزازاتهم، وتتوحد كلمتهم، وتصفو قلوبهم، ويعدوا ما استطاعوا من قوة؛ فاتخذ عالمنا هذا منهجه في الخطب على المنبر، وفي الوعظ، وفي نصح الأمراء، فها هو يدخل على الملك الأشرف موسى بن العادل بدمشق وهو يتأهب لغزو أخيه السلطان الكامل في مصر، فيقول له: هذا أخوك الكبير ورحمك، وأنت مشهور بالفتوح والنصر على الأعداء، والتتر قد خاضوا بلاد المسلمين، فخير لك ألا تقطع رحمك، وأن تتوجه إلى نصر دين الله وإعزاز كلمته، وأن تحول وجهتك في مقاتلة أخيك إلى مقاتلة أعداء الله وأعداء المسلمين، وأن تتقرب إلى الله قبل ذلك بإصلاح داخل مملكتك، فتبطل المكوس، وترفع المظالم، وتمنع الخمور والفجور، فيصغي السلطان إلى نصيحته ويعمل بها، ويقول له: جزاك الله خيرا عن إرشادك ونصيحتك، ثم أصلح ما في الداخل وحول وجهته إلى الخارج، وقدم السلطان للشيخ ألف دينار يستعين بها على شئون الدنيا، فردها الشيخ في لطف وقال: إن هذه نصيحة لله وللدين، فلا أكدرها بشيء من الدنيا، وذاعت نصيحة الشيخ وزهده في المال، فزاد مقامه علوا ومكانته رفعة. •••