تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دهشت الأم كما دهش الأب من قبل، وساد الجميع سكون عميق.

ثم بدأت الزوجة تقول لزوجها: ما دمنا وصلنا إلى هذه الدرجة من الصراحة ومن العتاب، فلأصارحك بما في نفسي، لقد أصبحت حياتي معك عناء في عناء، حرمت متاع الدنيا لإدارة البيت ومطالبك ومطالب أولادك، وأصبت بالأمراض، وأنا طول النهار موزعة بين نظافة البيت وإعداد الأكل إلى ما لا يحصى من مطالب، فلا يجيء وقت النوم إلا وقد دار رأسي، وفتر جسمي وكل عقلي؛ وقد أصبح البيت سجنا أبديا مظلما، ليس له نافذة إلى العالم؛ ومع هذا كله لا أرى منك اعترافا بحسن صنيع ولا إقرارا بجميل، ولا مظهرا لحب، ولا تقديرا لقديم؛ وأصبحت المعيشة كآلة تدور بلا زيت، وزيت الحياة هو العطف والحب، وقد فقدا، فلست أسمع إلا أوامر جافة، ونواهي حازمة قاسية، متى يأتي الموت ففيه راحتي؟

قال الزوج: وهل أنا أقل منك في حمل الأعباء واحتمال الرزايا؟ فلا أزال أسعى وأكد سدادا لمطالبكم، وحرصا على راحتكم، وليس لي نصيب مما أجمع إلا أقل من نصيب أحدكم؛ ولو كنت وحدي لكنت سعيدا، أنعم بملذات الحياة ولا أحمل عبء الواجب، وأعيش كالفراشة تنتقل من زهرة إلى زهرة، ثم تتطلبين أن أظهر لك بمظهر الحب كأيامنا الأولى، ونسيت أن الزمن له حكمه، فالحب إن لم ينطفئ هدأ، والنار تشتعل ثم تكون رمادا، وطول العشرة يذهب الكلفة ويذهب بالتصنع، وأنت تغارين أن أضحك مع الضيوف ولا أضحك معك، وأمزح مع الأصدقاء ولا أمزح معك، وتحاسبينني على أني أتكلم في التليفون برقة لا تبدو في خطابي معك؛ وفاتك أن التصنع عبء ثقيل يتكلفه المرء مع الغريب، وثوب مصطنع مع الناس؛ فكيف تكلفينني أن أتصنع دائما وأرائي دائما؟ ألا ترينني أتجمل في ملبسي إذا خرجت وأتبذل إذا رجعت؟ أتريدينني مرائيا حتى في البيت، ومتصنعا حتى معك؛ فأين إذا سعادة المعيشة على الفطرة، ثم لا تكثري من ذكر التضحية، فتضحيتك لا تساوي شيئا بجانب تضحيتي، ومتاعبك تافهة بجانب متاعبي؛ أين عمل اليد من عمل العقل، وأين مطالب الأولاد من مطالب الرؤساء، وأين تعب الإنفاق من تعب الكسب؟ •••

ساد الجميع سكون رهيب، وانتهى الأكل ولم يشعروا أنهم أكلوا، وانتهت الأصناف ولو سألتهم ما دروا ماذا طعموا؛ لأن الحديث التهم عقولهم وأفكارهم، وتسلط على كل حواسهم، ثم انتقلوا إلى حجرة أخرى وانتظروا كلام الشيخ الحكيم.

بدأ الشيخ يقول: لعل أسرتكم هذه من خير الأسر شعورا بالتبعة وأداء للواجب، وإن متاعبكم التي سمعت الليلة بعضها ليست شيئا بجانب ما أعلم من أسر تحطمت، وبيوت خربت، وأمراض فتكت، وكانت أمراضها أشكالا وألونا: هذه مرضها في ربها، سكر وقامر حتى خر البيت على رأسه، وهذه مرضها في ربتها، أسرفت في ملذاتها وملاهيها حتى انهار البنيان عليها، وهذه مرضها في أبنائها وبناتها، أسرفوا على أنفسهم وجرفهم تيار المدنية حتى أصبح البيت شعلة من نار، لا يستقر لأهله قرار.

أما أنتم فمرضكم على هامش الأسرة لا في صميمها، والأعراض قريبة العلاج سهلة الدواء، ويخيل إلي أنها ترجع إلى سببين: أولهما: أن الأبوين لم يدخلا في حسابهما عامل الزمان، فلكل زمن تقاليده، ولكل جيل مطالبه؛ ومحال أن تتجاهلوا فعل الزمن وتغيير الأحداث وتطور الناشئة، فمنشأ كثير من النزاع تحجر عقول الآباء وقلة مرونتها، ومحاولتها إخضاع الحاضر للماضي، وهو ما تأباه الطبيعة، إن أبناءكم مخلوقون لزمن غير زمانكم، فإما أن تحسبوا في سلوككم حساب زمانهم، وإما أن يثوروا عليكم، ألا ترون أن أثاث البيت من عشرين عاما لا يصلح أن يكون أثاث بيت اليوم، وأن البدع في ملابس أمس غير البدع في ملابس اليوم، وأن طراز البيوت منذ أعوام غير طرازها الآن، وأن التربية والتعليم ومناهجهما ونظمهما منذ عهد قريب غيرهما في عهدنا؟ فلماذا تؤمنون بهذا كله ولا تؤمنون بتغير طباع الأولاد وعاداتهم وتقاليدهم، وتودون أن تسلكوا معهم سلوك آبائكم معكم، على أن الفرق كبير بينكم وبين آبائكم وبينكم وبين أبنائكم! فقد حدثت في العالم ثورة قلبت الأوضاع وكسرت الحدود، ولا أمل في المسالمة وحسن العلاقة بينكم وبين أبنائكم إلا أن تفهموا الواقع وتسايروا الزمان؛ نعم إن الأبناء يجب أن يعذروكم في نظرتكم ويقدروا حسن نيتكم، ولكن من العسير أن يفهموا ذلك ولما تنضج عقولهم وتكتمل مشاعرهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٨٢